ترجمة

السبت، 20 فبراير 2016

قراءة مُعمقة التفاهم الأمريكي – الإيراني : جذوره الفكرية وسيناريوهات متوقعة

محمد الياسين

يقول زبغنيو بريجينيسكي مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس الامريكي جيمي كارتر : " أعتقد بإن إيران ستجد شكلاً من أشكال التوافق مع المجتمع الدولي ، على الأقل بشكل أسرع وأسهل مما يمكن أن تصل أليه كوريا الشمالية".
ويقول ايضا : " في المدى البعيد إن مصلحة أمريكا في تحقيق الإستقرار في الخليج، يمكن التوصل اليها عبر إشراك إيران في مفاوضات مع جيرانها ، وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي نحتاج إلى الإقناع لا الإكراه ، وبالتحديد نحتاج لإشراك إيران ، وان ترتيب العلاقات مع المجتمع الإيراني سيؤدي إلى تحقيق أهداف أمريكا في جلب الإستقرار والأمن للشرق الأوسط".
أستند بريجينيسكي على تصوراته للحالة الداخلية لإيران في تأسيس رؤية سياسية تقوم على أساس التعاون بين واشنطن وطهران قائلاً : " ينبغي على الولايات المتحدة التوافق مع النظام الإيراني القائم وليس إنتظار سقوطه". تمحورت تصوراته عن الداخل الإيراني بقناعته ان الجمهورية الإيرانية مُحكمة البُنية الداخلية ، وأن القوى التي تلتزم المحافظة على النظام القائم لا تزال موجودة بقوة في السلطة ، وان أي محاولة إنقلاب تدعمها واشنطن أو ضربة عسكرية ستؤدي لتقوية التيار الديني الحاكم شعبياً".
يعتبر بريجينيسكي من أقطاب المدرسة الواقعية الأمريكية ، وهو أحد الذين تأثرت السياسة الأمريكية الخارجية بأفكارهم ، وحازت أفكاره على مكانة متميزة لدى صناع القرار الأمريكي ، خاصة خلال فترة تولي أوباما لإدارة البيت الأبيض ، وأحتلت نصائح بريجينيسكي المتعلقة بالعراق مكانة خاصة روجت لها الماكنة الدعائية للحزب الديمقراطي خلال الانتخابات الرئاسية وقبيل الإنسحاب العسكري الامريكي من العراق، كما اخذت نصائحه مكاناً في تقرير ( بيكر هاميلتون ) ، بدأت المدرسة الواقعية التي يمثلها بريجينيسكي تحل محل المدرسة المحافظية الجديدة في السياسة الخارجية الامريكية عقب صعود التيار الديمقراطي للحكم وحصوله على أغلبية المقاعد في البرلمان ومجلس الشيوخ ، من بين تلك النصائح بشأن العراق ، التأكيد على ضرورة سحب القوات الأمريكية في وقت محدد تعلن عنه الإدارة الأمريكية بالتنسيق مع القادة العراقيين ، وان تكون عملية الإنسحاب على دفعة واحدة او على شكل دفعات متقاربة زمنياً ، كما دعى الإدارة الأمريكية لتشجيعها القادة السياسيين في العراق على المطالبة بإستمرار من الأميركيين سحب قواتهم من البلاد ، بهدف رفع مستوى التأييد الشعبي العراقي لهم في مرحلة ما بعد الإنسحاب!.
عودة لمخاوف بريجينيسكي من حرب على إيران ، ينقل دايفيد اغناطيوس في الواشنطن بوست عنه قوله : " أعتقد بإن الحرب مع إيران ستُنهي دور أمريكا الحالي في العالم ، في حرب مع إيران ستسقط أمريكا لفترة تتراوح من 20 – 30 عاماً ، سيلومنا العالم أجمع ، وسنفقد موقعنا في العالم". من جملة أسباب مخاوفه تلك عبر عنها قائلاً : " إيران دولة يبلغ تعداد سكانها 70 مليون نسمة والحرب معها ستجعل المغامرة الفاشلة في العراق تبدوا أمراً بسيطاً إلى حد السخرية ". نشوب حرب سيؤدي لإرتفاع قياسي لأسعار النفط مما سيعرض الإقتصاد العالمي لنكسة كبرى ، كما ان الحرب مع إيران ستعرض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر.
طرح بريجينيسكي رؤية للحل ضمن إستراتيجية عامة قائلاً : "الإستراتيجية الأمريكية ينبغي أن يتم تحقيقها من خلال المفاوضات الجادة وليس الشعارات ، ومن المفترض ان تهدف إلى فصل الروح القومية الإيرانية عن الأصولية الدينية وتفترض هذه الإستراتيجية ترك التهديد بالحرب جانباً ، فهذا التهديد يدمج القومية الإيرانية مع الأصولية الشيعية ، كما يثير حفيظة المجتمع الدولي الذي يرى ان هذه السياسة تشجع إيران على عدم التراجع عن مواقفها".
حري بالذكر ان الرئيس باراك اوباما منذ توليه للرئاسة لوحظ على خطاب إدارته إستبعاد لغة القوة والتلويح بالخيار العسكري ضد إيران!.
الإستثمار الأمريكي في إيران! :

يضيف بريجينيسكي : " ثمة خطوة هامة يمكن ان تكون أحد مفاتيح الحل مع إيران ، وتكمن في البدء بمفاوضات في قضايا الإستثمارات الأمريكية في إيران مع أطراف إقتصادية إيرانية ، والتوصل إلى إتفاقات لا يتم تطبيقها إلا في حال التوصل إلى حلول للقضايا السياسية المختلف عليها ، إن عودة الإستثمارات الأمريكية إلى إيران سيساعد على التخفيف من أحادية التيار الديني في السلطة ، عبر تقوية القطاعات الخاصة ، وتقوية الطبقة الوسطى في البلاد ، وإيجاد فرصة لتصدير القيم الأمريكية إلى الداخل الإيراني".
تُرجم طرح بريجينيسكي المتعلق بالإستثمار الغربي في إيران ، مباشرة بعد رفع العقوبات الإقتصادية الدولية عن طهران ، وزيارة الرئيس الإيراني إلى إيطاليا وفرنسا والتي توجت بشراكة إقتصادية كبيرة بين طهران وباريس!. ليست المرة الاولى التي يتبنى فيها بريجينيسكي نظرية ( سياسة الاحتواء ) ففي كتابه الشهير ( رقعة الشطرنج الكبرى ) طرح أفكاره القائمة على إستخدام الإقتصاد في تطبيق سياسة الاحتواء التدريجي مع روسيا مابعد السوفيتية ، والصين الآسيوية ، عبر عن ذلك بوضوح عندما طرح فكرة مفادها : ان التقارب الأوربي الغربي مع روسيا والتعاون بينهما في الجوانب الأمنية والإقتصادية سيؤدي لتقليل حدو التوترا في المنطقة الأوربية ، وان دعم الأقتصاد الروسي بالاستثمارات الأجنبية سينقل البلاد تدريجياً للمجتمع الديمقراطي، بالتالي تخليها عن الطابع الامبراطوري وذهابها نحو الخيار الأوربي الغربي ، ولتحقيق ذلك أكد على ضرورة دعم إستقرار وسيادة الدول الناشئة حديثاً عقب إنهيار الإتحاد السوفيتي ، المجاورة لروسيا ،  خاصة أوكرانيا ، لما لها من أهمية إستراتيجية في تلك المنطقة التي كانت مجالاً جيوبوليتيكي للسوفيت.

النظرية الكيسنجرية في العلاقة الأمريكية – الإيرانية :

يعد هنري كيسينجر من آباء المدرسة الواقعية الأمريكية ، وتعتبر تجاربه وأفكاره وكتاباته مرجعية للعاملين والباحثين في السياسة الخارجية الأمريكية ، شغل منصب مستشاراً للرئيس الأمريكي في قضايا الأمن القومي ولاحقاً كوزيراً للخارجية ، لخص أحد الكتاب العرب إستراتيجيته الدبلوماسية بثلاث نقاط مقتبسة من أقواله :
1.    كي يكون ثمة سلام ، لا بد أن تكون هناك تسوية قائمة على التفاوض يخرج منها الجميع في حالة توازن.
2.    القوة المنتصرة يجب ألا تسحق المهزوم أو تبيده ، إنما يجب أن تمنحه قدراً ومنفذاً لسلام مشرف.
3.    أفضل ضمان للسلام هو التوازن.
أول كتاب أصدره كيسينجر بعد نيله لشهادة الدكتوراة بعنوان ( السياسة الخارجية والأسلحة النووية ) ، يلخص روبرت كابلان في مقالته في مجلة الاتلانتيك رؤيته لدور السلاح النووي قائلاً : " في ظل التغير النوعي للأسلحة ، فأن وظيفة رجل الدولة لم تتغير : بناء توازع ردع بين القوى الكبرى كخطوة نحو بناء نظام دولي".
حري بالذكر أن نظرية ( توازن القوى ) ظلت عماد رؤية كيسينجر خلال إدارته للسياسة الخارجية الأمريكية . يعتبر الثعلب العجوز ، كما يلقب ، عراب العلاقة الأمريكية – الصينية نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي ، التجربة التي تعد من التجارب الناجحة للمدرسة الواقعية ، ترجم كيسينجر من خلالها الواقعية السياسية بمهارة فائقة ، عندما أخترق المعسكر الشيوعي السابق ، باللعب بحرفية عالية على وتر الخلافات السوفيتية – الصينية، التي كشف عن تفاصيلها في وثائق أرشيف الأمن القومي الأمريكي عام 2001 ، خلال تولي كيسينجر رئاسة مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، عكف على دراسة وتحليل الموقف داخل الصين ، بناء على إتصالات دبلوماسية جانبيه جرت على مستوى السفراء في أوربا ، رفع على آثرها مذكرة للرئيس نيكسون في تأريخ 12 / 2 / 1969 من بين ما جاء فيها تحليلاً للإشارات الإيجابية في السياسة الصينية : " تراكم مشاكل داخلية صينية وإستمرارها بما يدفع نحو التطلع لتخفيف الضغط في العلاقات الخارجية ". وفي سياق عرضه للقضية قال كيسنجر : " لابد من الأخذ بعين الإعتبار إمكانية وجود إنشقاق في الآراء الصينية حول العلاقات مع الولايات المتحدة ، وبالتأكيد فإن تحولاً في السياسة الصينية لم يطرأ ، لكن على الأقل ، فقد تراجعت حدة الموقف الصيني المتطرف الذي عرفناه خلال الثورة الثقافية".

علاقة خاضعة للإلتزام الذاتي :

وضع في مذكرته لنيكسون محددات ومحاذير لسياسة الإنفتاح على الصين ، كان منها : " عدم التخلي عن إلتزامات الولايات المتحدة تجاه التايوان أو تجاهلها ، الألتفات إلى عدم الإضرار بمصالح حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وبشكل رئيسي اليابان" ، وقارب شكل العلاقة المفترضة مع الصين بإنها ( خاصة تخضع للإلتزام الذاتي ).
أستعرض كيسينجر في المذكرة أربعة خيارات أساسية مع ذكره للسلبيات والإيجابيات ، من بين الأفكار الواردة فيها ، تأكيده على ضرورة تعطيل التفكير الأيدلوجي  بين الولايات المتحدة الليبرالية الرأسمالية ، والصينية الشيوعية ، خلال عملية الحوار والتفاوض ، كما أشار في أحدى الخيارات إلى إمكانية إعادة التجارة مع الصين في السلع غير الإستراتيجية ، كما قيم أحدى الإيجابيات المفترضة ، بإن تتحول العلاقات بين البلدين من حالة الصدام الأيدلوجي إلى مستوى التطبيع.
على ضوء ما تقدم أتخذت إدارة نيكسون قراراً بالبدأ في تأسيس علاقة مع الصين على حساب السوفيت ، تولى كيسينجر العمل على ذلك بسرعة وسرية ، أستخدم خلال مراحلها الأولى جميع القنوات الدبلوماسية والقنوات الخلفية لتبادل الرسائل والإشارات الإيجابية مع القيادة الصينية التي بادرت هي الاخرى بالسلوك نفسه. توجت التحركات الدبلوماسية بين البلدين بزيارة كيسينجر للصين ولقاءه مع رئيس وزراءها " شو أن لاي " ، جدير بالأهمية ذكر ماجاء في رد كيسينجر على رسالة بعثها " لاي " قبيل اللقاء بينهما ، أكد فيها على "ترحيبه ببدأ عملية التقارب بين البلدين مع الإعتراف الكامل بالتمايز الأيدلوجي لكلا الدولتين". من جملة الأقوال التي طرحها كيسينجر خلال لقاءه مع رئيس الوزراء الصيني وعبرت بشكل واضح عن ممارسته للواقعية السياسية التي يتبناها الرجل قائلاً : " نحن هنا اليوم تجمعنا المتغيرات العالمية ، الوقائع قد جمعتنا ، ونحن نعتقد بإن الوقائع ستشكل وترسم مستقبلنا". كذلك قوله : " نحن لا نتوافق مع الشيوعية بشكلها المجرد ، لكن مع الدول الشيوعية التي تمارس حركة إيجابية تجاهنا ، ولا نتعاطى مع الشيوعية على طريقة الحرب المعنوية". كما تناول خلال اللقاء ، قضية فيتنام التي كانت لا تزال محتلة من الاميركيين ، وشكل إحتلالها الذي طال عشر سنوات ، مصدر قلق الصين المجاورة ، قدم خلال حديثه تطمينات للصينيين برغبة بلاده بالانسحاب من فيتنام ، وأرجئ الأمر للعملية التفاوضية.
يتضح من خلال إعادة قراءة بعض من محطات الدبلوماسية الأمريكية والمدرسة الواقعية ومراجعة أفكار كبيريها كيسينجر وبريجينسكي ، ان ما جرى مع إيران بخصوص ملفها النووي ، وما نتج عنه من رفع للعقوبات ، هو إعادة إنتاج للسياسة الواقعية في عهد أوباما ، وإفتراض أن الإدارة الأمريكية أستخدمت السياسة الواقعية ، يترك سؤالاً ، هل قدمت واشنطن تطمينات لطهران بإنسحاب قريب لقواتها من أفغانستان كما فعل كيسينجر مع الصينيين بشأن فيتنام أم لا؟!.
أشار كيسينجر بوضوح في أحدى مقالاته لضرورة إعادة إنتاج التجربة مع الصين في التعامل مع الملف النووي الإيراني قائلاً : " المطلوب لحل مشكلة العلاقة مع إيران ،هو دبلوماسية مماثلة لتلك التي نقلت الصين من مواقع العداء لأمريكا إلى ساحة التعاون والشراكة في السبعينيات ". ملمحاً  في مقاله إلى نظرية موازين القوى!. ويقول ايضا : " نجاح أي تجربة لحل قضايا الإنتشار النووي ، تعتمد على قدرة الدبلوماسية على تقديم ضمانات أمنية للبلد الذي يطلب منه التخلي عن أسلحته النووية ". كما أبدى تحمسه لخيار اللعب على أوتار الداخل الإيراني كبديل للعمل العسكري ، منتهزاً فرصة إرسال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في وقتها رسالة إلى بوش، وأعتبر أنها بحاجة إلى مقاربة من زوايا مختلفة!.
يفهم هذا الطرح على أن المقصود به هم الشعوب غير الفارسية في إيران ، المضطهدة من قبل النظام الحاكم ، بهدف دفع النظام لمزيد من الإنفتاح والتقارب مع الغرب ، خاصة أن كيسينجر تبنى هذا الطرح خلال مذكرته للرئيس نيكسون بشأن التأسيس لعلاقة مع الصين! ، عندما أعتبر أن مشاكلها الداخلية قد تدفع بها نحو مزيد من الانفتاح على الخارج!.
في ذات السياق لكن من زاوية مواجهة أزمة المستنقع العراقي يقول : " في حال فشلت أمريكا في تحقيق أهدافها المباشرة ، وقامت قوى إرهابية أو دولة إرهابية على أرض العراق مستندة إلى المخزون النفطي الهائل للبلاد ، فلن ينجو أي بلد يحتوي على نسبة كبرى من المسلمين من تداعيات ذلك : الهند بما تضمه من ثاني أكبر جالية إسلامية في العالم ، أندنوسيا ، بجاليتها الأكبر ، تركيا التي تعاني من تهديدات أكراد العراق ، ماليزيا ، باكستان ،وكذلك دول غرب أوربا ، وروسيا وجاليتها المسلمة في الجنوب ، وحتى الصين".
رؤيته تلك من باب التأكيد على أهمية التقارب مع إيران والتفاهم لتحقيق التعاون في الملف العراقي ، لمنع وقوع سيناريو الحرب ذات الطابع الديني. إسقاط ما طرحه كيسينجر في هذا السياق من مخاوف على الواقع الحالي ، سينتج قراءة أكثر موضوعية ، ظهور تنظيم داعش الإرهابي أضاف أهمية أكبر لفرضية التفاهم الأمريكي – الإيراني!، فالبحث عن المستفيد من تقديم نموذج داعش قد يقودنا لإجابات كثيرة ومتشعبه في هذا الإطار ، المعروف ان زعيم التنظيم المُكنى بأبو بكر البغدادي كان معتقلاً لدى الجيش الأمريكي في سجن بوكا ، وان الاستخبارات العسكرية تمكنت فعلا من تجنيد عدد من المتطرفين خلال فترة إعتقالهم ، كما أن روسيا ساهمت في تغذية تنظيم داعش من خلال تسهيل مهمة تهريب المقاتلين الشيشان الى سوريا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكذلك إيران التي توجد على أراضيها معسكرات لمقاتلي القاعدة في منطقة كرمنشاه تحدثت عنها تقارير أمنية عديدة ، كما ان النظام السوري قبيل الأزمة كان يقدم الدعم لمقاتلي القاعدة ولديه معسكرات تدريب وتجهيز في مناطق سورية ، كما أفادت عدة تقارير بذلك.



سياسة ( خطوة – خطوة )!

أي صيغة تقارب بين واشنطن وطهران لن تمر إلا من خلال سياسة ( خطوة – خطوة) لحساسية الملفات الاقليمية ، وحالة التوتر السائدة بين شعوب المنطقة ، ولطبيعة العلاقة الامريكية الايرانية المتسمة بالعداء وعدم الثقة  منذ العام 1979  ، عندما يتخذ طرف  خطوة إيجابية في أحدى الملفات المُتفاهم عليها، سيرد الطرف الآخر بخطوة مماثلة في ذات الملف أو ملف إقليمي آخر موازي!، هذه السياسة تهدف لتهدئة التشنجات السياسية بين البلدين وبناء ثقة متبادلة لن تأتي بسهولة! . نلاحظ ان عقب رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عن طهران ، بموافقة أمريكية أوربية ، غادر الرئيس الايراني بصحبة وزراء في حكومته الى إيطاليا وفرنسا ،وتكللت الزيارة لباريس بتوقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة بين البلدين لتنمية القطاع الاقتصادي والبنى التحتية في ايران!.




ملفات التفاهم الثنائي!

بناء على ما تقدم من سرد وأحداث سياسية لخصت طبيعة التفكير والسلوك السياسيي للإدارة الأمريكية " الديمقراطية "  ، للمقاربة بين الماضي والحاضر المتمثل بالإتفاق الأمريكي – الإيراني بخصوص النووي ورفع العقوبات عن طهران ، برز التأثير الواضح للسياسة الواقعية وطروحات ورؤى كيسينجر وبريجينسكي على السياسة الخارجية الأمريكية في زمن الرئيس الديمقراطي باراك أوباما ، فيما يتعلق بإيران ، وما تضمنته المفاوضات السرية والعلنية ، نطرح سؤال غاية بالأهمية : هل شملت المفاوضات الثنائية بين البلدين ملفات إقليمية أخرى إلى جانب الملف النووي أم لا؟!.
لو أفترضنا أن التفاهم الثنائي بين واشنطن وطهران شمل ملفات إقليمية مفتوحة أساسا ، مثل : ( العراق ، سوريا ، الخليج ) سيتضح ذلك من خلال المواقف الأمريكية العملية ، على سبيل المثال ، أن الولايات المتحدة تتبنى خيار الأقلمة في العراق كحل لمشاكل البلاد ، بينما طهران تريد عراقاً واحداً على الطريقة الإيرانية ، إذا سار المزاج السياسي العام نحو تطبيق البند الدستوري المتعلق بتشكيل الإقاليم دون عرقلة من قبل الجماعات المحسوبة على إيران ، سيفهم ان التفاهم الثنائي شمل ملفات أخرى غير الملف النووي!.   
ضبط إيقاع تنافس المصالح بين واشنطن وطهران قد يأتي على حساب بعض الأطراف الرئيسية أو غير الرئيسية المتوزعة على خارطة الشطرنج للشرق الأوسط!.

المشهد السوري حمل بعض الملاحظات هو الآخر ، تمثلت بالموقف الأمريكي عقب قصف الجيش التركي لمطار منغ العسكري الذي سيطرت عليه قوات كردية ، وكذلك قصفها لقوات سورية نظامية ، حيث طالبت واشنطن من أنقرة وقف قصفها على الأكراد وقوات النظام ، رغم ان أنقرة أعربت عن خشيتها من سيطرة النظام السوري أو الأكراد على حدودها مع سورية من جهة حلب . خشية واشنطن المزيد من التصعيد مع طهران وموسكو قد يكون نتيجة خوف حقيقي من الإنجرار نحو حرب إقليمية واسعة النطاق تؤدي لحرب عالمية فيما بعد ، أو أن المفاوضات المضنيه والشاقه التي خاضتها مع طهران بشأن الملف النووي أعطت أمل للإدارة الامريكية "الديمقراطية" للتوصل لحلول سياسية في ملفات إقليمية أخرى من خلال  أرضية الحوار التي أسستها مع الايرانيين بخصوص الملف النووي لتستخدمها في ملفات إقليمية أخرى ، خاصة ان الإدارة الأمريكية في عهد الديمقراطيين ستتجنب بأي شكل من الأشكال إتخاذ قرارات من شأنها التصعيد والتعقيد للمشهد السوري والاقليمي ويتركون ذلك  للإدارات الجمهورية! ، فالمعادلة قد تتغير كليةً إذا تمكن الجمهوريون من العودة إلى البيت الأبيض خلال الإنتخابات القادمة!!.

سيناريوهات!

·   الولايات المتحدة لا تريد إمبراطوريات روسية وإيرانية ، لكنها لا تريد الصدام معهما لردعهم عن ذلك ايضا . هذه السياسة تتبناها المدرسة الواقعية تحديداً ، وتستخدم بديل عنها الحوار وسياسات الترغيب ،  الاقتصادية ، والأحتواء ، والترهيب احيانا اخرى ، وقد تشهد تحولا كبيرا نحو المواجهة والصدام إذا عاد الجمهوريون للبيت الأبيض في الانتخابات القادمة!.
·      الولايات المتحدة لا تريد تقسيم العراق لثلاثة دول مستقلة ، كما لا تريد عراقاً مركزي الحكم ايضا ، إنما تريد عراقاً فدرالياً مقسماً لثلاث اقاليم (سُنية ، شيعية ، كردية ) تحظى بإستقلالية كبيرة وخصوصية على أراضيها ،  سيؤدي لتقليص النفوذ الإيراني في العراق ، حيث أن إيران ما قبل التفاهم مع واشنطن أرادت عراقاً واحداً شيعياً بإمتياز على الطريقة الإيرانية ،ضعيف لا يحظى بسيادة ويكون تابعاً لإرادتها السياسية ليشكل مجالاً جيوبوليتيكيا نحو الخليج والمنطقة العربية. لكن من المحتمل ان يحظى الإقليم الشيعي المفترض بخصوصية العلاقة مع إيران بتوافق أمريكي- إيراني مع ضمان المصلحة الأمريكية ، وتفهم عربي لطبيعة خصوصية تلك المنطقة ذات القيمة الأيدلوجية الدينية والإستراتيجية القصوى لإيران!.
·   الأزمة السورية ، أدركت القوى الكبرى ومحطات صناعة القرار الاقليمية صعوبة إن لم يكن إستحالة الحسم العسكري لصالح النظام أو المعارضة ،وان عدم وجود صيغة حل يعني إستمرار الحرب وصراع الإرادات الإقليمية في سوريا إلى مالا نهاية ، مما يؤدي لإستنزاف بشري ومالي ومعنوي لجميع الأطراف ، فالحل الأمثل من وجهة نظر دولية ، إرضاء الأطراف الرئيسية مع مراعاة المصالح والأدوار لتلك القوى ، فرض صيغة حل في سوريا على الطريقة الألمانية ( المانيا مابعد النازية ) ، من خلال ترسيم لحدود المناطق التابعة للنظام السوري وكذلك المناطق التابعة للمعارضة المعتدلة المدعومة عربيا ودولياً ،  بالتالي لن يختلف المشهد السوري المفترض كثيراً عن المشهد العراقي المفترض من ناحية التقسيمات الجغرافية الادارية، إذ تنشأ مناطق سُنية تحت سيطرة المعارضة ، ومناطق علوية ساحلية تحت إدارة نظام الأسد ، ومناطق الأكراد تكون تحت سيطرة القوى الكردية. مع الأخذ بنظر الاعتبار تكفل الولايات المتحدة وحلفاءها بالقضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق.
·   منطقة الخليج العربي ، على الرغم من تعقيدات الأزمة السعودية – الإيرانية ، واشنطن ستدفع تجاه حث الأطراف العربية للتهدئة مع إيران.من المحتمل ان توجه واشنطن مساعيها مستقبلاً بالدفع نحو شراكة خليجية – إيرانية لتوثيق روابط التعاون والأمن الإقليمي المشترك ، قد تتبلور رؤية إقليمية بإقتراح أمريكي لتأسيس منظمة إقليمية مشتركة تضم إيران من جهة والدول الخليجية العربية من جهة اخرى ، تُعنى بمسائل الأمن الاقليمي والتنمية الاقتصادية والسياسية.
·   مشهد آخر مختلف قد تحمله الايام لمنطقة الخليج ،ربما تتجنب واشنطن الصدام المباشر مع طهران وروسيا ، لكنها قد لا تمنع وقوعه بين العرب وتركيا من جهة وبين ايران وروسيا من جهة اخرى ، الولايات المتحدة تتحرك من خلال الناتو والاتحاد الاوربي أكثر من تحركها من خلال العرب.
·   حزب الله اللبناني ، تكفي الإشارة إلى أن قدرات الحزب اللوجستية تراجعت كثيراً خلال السنوات الماضية بسبب إستنزافه في الحرب السورية ، كذلك خسارته للتأييد الشعبي العربي واللبناني تحديدا ،سينكفئ الحزب على العمل السياسي الداخلي ، فيتحول تدريجياً لقوة ضعيفة مهمشة نوعا ما في لبنان ، لكنه قد يبقى على تواصل مع المناطق العلوية في سوريا.
·   اليمن ، ستسعى واشنطن بالضغط على المجموعة العربية المتمثلة بالسعودية للتوصل لصيغة حل سياسي مرضية للأطراف اليمنية ، رغم عدم وجود ضمانات لقبول الرياض لذلك ، لما يشكله اليمن من أهمية للأمن القومي السعودي ، كذلك عدم وجود جغرافية مترابطة بين اليمن وإيران ، كانت قد تؤدي لتأزيم المشهد أكثر! ، حينها كان يصعب التوصل لحل لا يرضي إيران ايضا! ، الأمر الذي يرجح ان يتخلى الايرانيون عن دعم الجماعة الحوثية ، بسبب إنحسار أوراق اللعب الإيرانية في هذا الملف .

======================================
المصادر :
كتاب ( رقعة الشطرنج الكبرى ) بريجينيسكي

كتاب ( السياسات الخارجية الأمريكية بين مدرستين : المحافظية الجديدة والواقعية ) هادي قبيس


السبت، 30 يناير 2016

سوريا على طاولة السلام في جنيف!

محمد الياسين

هل عزمت القوى الكبرى المتورطة بالحرب في سوريا على ضرورة حسم الأزمة؟ هل سنشهد تحريك للمياه الراكدة في المستنقع السوري؟!
أعلنت الأمم المتحدة يوم الجمعة المصادف 29 كانون الثاني عام 2016 عن بدء مفاوضات الأزمة السورية ، وأضافت المنظمة في بيان لها أن السيد ستيفان دي مستورا المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بالأزمة سيبدأ بلقاء وفد الحكومة السورية ثم يواصل إجتماعاته مع قوى المجتمع المدني والمعارضة السورية ، مشيراً إلى ان المحادثات ستكون غير مباشرة .
قال رئيس الوزراء السوري المنشق ورئيس اللجنة العليا للمفاوضات رياض حجاب أن روسيا وبشار الأسد "لا يريدان حلا سياسيا للازمة " . رغم ان الأخير لا يشكل سوى الحلقة الأظعف في صناعة القرار ضمن دائرة واسعة النطاق من القوى الدولية والاقليمية تعتبر مراكز قوى رئيسية في إدارة الحرب والمشهد السوري ، من بينها موسكو التي لا تزال صاحبة قرار في الحرب ، وان موقف الاسد ليس إلا ترجمة حرفية للموقف الروسي .موسكو خاضت بثقلها الدبلوماسي والعسكري الحرب السورية بإعتبارها البوابة الوحيدة للعودة من جديد إلى المكانة العالمية التي فقدتها عقب إنهيار الإتحاد السوفيتي!.
مثلما الإرهاب يجب أن يدرس من زوايا سياسية ، الحرب السورية يفترض أن توضع في رؤية سياسية واسعة ايضا ، فالاتفاق الامريكي – الايراني بخصوص الملف النووي الذي أفضى عن رفع العقوبات الإقتصادية عن طهران  يكون قد مر قبل بلوغه مرحلة الإعلان بمحطات ومراحل ومفاوضات سرية وعلنية ، حتى خلال التصريحات النارية الرسمية المتبادلة بين واشنطن وطهران جانب كبير منها كانت رسائل مشفره سواء من الاميركيين لحلفاءهم والعرب منهم، الذين تتسرب اليهم بعض تفاصيل المباحثات الامريكية الايرانية ، كذلك للضغط أحدهما على الآخر مع إستمرار المفاوضات التي ربما كانت تستخدم فيها الدبلوماسية السرية و القنوات المباشرة والغير مباشرة والقنوات الخلفية لنقل الرسائل بين الجانبين!. لا ننسى أن جانب مهم من السياسة الخارجية الامريكية لايزال متأثر بأفكار وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عراب العلاقة الأمريكية – الصينية! الذي مزج بين العنف والتهديد من جهة ، وبين الدبلوماسية من جهة اخرى!.
أمريكا رفعت العقوبات الإقتصادية عن طهران وهرول رئيسها حاملاً حقيبته الإقتصادية لأوربا التي أخذته بالأحضان لإسعاف الإقتصاد الإيراني المنهك! ، فماذا ستقدم طهران لأمريكا بالمقابل؟! ، هل القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي كافية لطمأنة الحكام العرب من إيران الخمينية ما بعد رفع العقوبات؟ هل سينسى حكام طهران مشروع تصدير الثورة للدول العربية في خضم بحبوحة إقتصادية قدمتها لهم واشنطن؟؟! أم أنهم ماضون في عدوانيتهم المعهودة ودعم الفوضى بالمنطقة العربية؟!. زار نائب الرئيس الامريكي جو بايدن قبل أيام تركيا التقى خلالها مع أردوغان وأوغلو، رغم  المعلن عن اللقاء أنه شابه جواً من التوتر بسبب شعور تركي متزايد  بتقارب أمريكي – روسي بشأن سوريا بالتالي تراجع فرص فرض الحل في سوريا على الطريقة التركية!، وكذلك نظرة واشنطن غير المشجعة لحد كبير من وجهة نظر أنقرة حيال ملف حزب العمال الكردستاني ، لكن المؤكد أن بايدن حمل رسالة أمريكية لأنقرة بخصوص سوريا ، غالباً أنها تحث الأتراك على إبداء مرونة حقيقية في حل الملف السوري على الطريقة الأمريكية الدولية! ، خاصة أن المحطة التركية في هذا النزاع لايمكن تجاهلها في حال أريد التوصل لحل حقيقي للأزمة السورية ، دعم الحكومة التركية لجماعات مسلحة سورية وإيواء النازحين والمعارضين السياسيين وتبني القضية دبلوماسيا على الصعيد الدولي يجعل منها رقما صعبا في المعادلة السورية المعقدة!. من المحتمل ان واشنطن ستتغاضى عن أي إجراء قد تتخذه أنقره ضد حزب العمال الكردستاني مقابل تعاونها بالضغط على جماعات المعارضة السورية المرتبطين بها للمشاركة في مؤتمر جنيف وتقديم تنازلات للتوصل لصيغة حل للأزمة على الطريقة الدولية!.
أما روسيا التي تعيش حلم العودة لأمجاد الماضي في عهد بوتين! قد تحظى بشيئ من القيمة والمكانة الدولية الساعية خلفها إذا ساهمت في إنجاح مؤتمر جنيف!! ، رغم ان الأخبار الواردة عن الأزمة الأوكرانية شبه منعدمة في الاعلام العربي! ، لكن أي تحرك روسي سلبي في أوكرانيا قد يفجر أزمة جديدة بين موسكو وواشنطن وربما يخرب التقارب الحذر بينهما في الملف السوري!.
أما إيران التي لا ندري هل خلعت الحجاب! أم أمريكا أسلمت! أم لغة المصالح بينهما إرتفعت!! ، فهي تعيش نشوة الإنفتاح الإقتصادي الأوربي عليها ، بحبوحة إقتصادية ومعنوية تنتشلها من عبئ الإستنزاف المالي الذي عانت منه داخلياً جراء حروبها في العراق وسوريا واليمن ، على أي حال ستتضح طبيعة العلاقة الرسمية! بين طهران وواشنطن أقلها من خلال خطب الجمعة في طهران بعد عدة أشهر من الآن ، إذا إعتبرنا ان المنبر الخميني! سينشغل بالاشادة بالدبلوماسية الإيرانية خلال الاسابيع الاولى من رفع العقوبات! لكن تبقى شعارات " كلا كلا أمريكا ، كلا كلا إسرائيل "!!!" الموت لامريكا وإسرائيل"!! المتجذرة في أدبيات الثورة الخمينية! في مأزق! كيف ستجد طريقها نحو التغيير! ، رغم أنها لا تعني الكثير لمن قيل لهم الموت و كلا!! لكن من حسن حظ النظام الايراني أن الأمريكيين يحضون بروح دعابة وطول بال!! فيتقبلون الهتاف ضدهم طالما ليست سوى شعارات للإستهلاك المحلي!!!.
لربما ستتضح بنود الصفقة الامريكية – الايرانية من خلال مباحثات السلام في جنيف، إذا أبدى الايرانيون مرونة من خلال الحكومة السورية المحسوبة على طهران ، وكذلك القوى الميليشياوية المسلحة على الأرض لتمرير خارطة الطريق المطروحة دولياً .
كما لو تبين ان للصفقة الامريكية الايرانية بنود إقليمية متعددة ، سيتضع ذلك حتما على العراق ايضاً ، فقد نشر موقعا إيرانيا مقربا من الحرس الثوري الايراني معلومات قال أنها مسربه مفادها ان واشنطن إشترطت على بغداد الموافقة على تطبيق الفدرالية اللامركزية في البلاد بتقسيمها لثلاث أقاليم كما في الدستور العراقي ليتم إنهاء ملف داعش بالقضاء عليه كليةً ، وأن تنهي إيران نفوذها الكامل من العراق وتلتزم بوجودها الدبلوماسي فقط!!.

أما على صعيد الموقف السعودي فقد أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات السورية المدعومة من الرياض المشاركة بالمباحثات المنعقدة في جنيف ، وكانت وزارة الخارجية السعودية قد رحبت بموقف الهيئة السورية المعارضة بالمشاركة في محادثات السلام!. فالرياض ستهدأ مخاوفها من إيران إذا توافقت الاطراف السورية وسار الجميع على خارطة الطريق الموضوعة دوليا ، كذلك ستهدأ مخاوفها كثيراً إذا تحققت الرغبة الامريكية في العراق والتي تحجم النفوذ الايراني! ، كما أن خيار الحل المناسب للرياض بخصوص اليمن سيكون قاب قوسين أو أدنى إذا تحققت تلك الرؤية في العراق وسوريا! . يبقى السؤال القائم هو : هل تضمنت الصفقة الامريكية الايرانية بنود بهذا المستوى ؟ هل ستتخذ طهران سياسة أقل عدائية تجاه العرب ؟ هل مارست الإدارة الامريكية سياسة " الإحتواء المناسب " مع إيران وربما روسيا ايضا؟!.


الأربعاء، 6 يناير 2016

حصاد المواقف في هيكلة الأحداث ( الأزمة السعودية – الإيرانية ) ومتطلبات الرد العربي

محمد الياسين

لم تأت الأزمة السياسية والدبلوماسية بين الرياض وطهران من فراغ ، ولفهم طبيعتها  وأسبابها التراكمية  والتسارع الدرامي المحموم للأحداث يتطلب عمق أكثر في قراءة خارطة المصالح الإستراتيجية ومحاور الخصومة التأريخية والجيوسياسية والتحليل المتزن لأبعاد العلاقة بين البلدين قبل التسرع بإطلاق الأحكام والإتكال على ملف الإعدامات كسبب رئيسي! ، خاصة ان المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية يمارسان أحكام الإعدام ضد المعارضين المحكومين بقضايا إرهاب أو يشكلون تهديداً لنظام الحكم + .
الصراع السعودي – الإيراني قديم ويتمحور حول الزعامة على العالم الإسلامي والمصالح الإقتصادية لكلا من البلدين وصراع النفوذ والمصالح في اسيا وافريقيا وسياسات إستقطاب الدول الاسيوية ذات الهوية الإسلامية أو التي يشكل فيها المسلمون نسبة معينة ، المنسلخة من الإتحاد السوفيتي السابق فهذا المجال الجيوسياسي الكبير الغني بالنفط والطاقة والانسان والثروات والمياه يعتبر من المناطق الحساسة للغاية ضمن خارطة القوى والتحالفات الدولية "الآوراسية" أي ( أسيا وأوربا ) وهي في نفس الوقت تعتبر منطقة تنافس سعودي – إيراني ، إضافة لملفات المنطقة العربية وملفات الأزمة فيها ( العراق ، اليمن ، سوريا ، لبنان ،البحرين ، فلسطين ).
في إطار الأزمة السياسية بين السعودية وإيران على آثر إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي "السعودي الجنسية" نمر النمر مع عدد آخر من المعارضين المتهمين بالإرهاب والتطرف من قبل السلطات الحكومية ، نستعرض المواقف الإيرانية تجاه الرياض ، وإحتمالات التصعيد ضمن سيناريو درامي محتمل.



هيكلية خطاب الأزمة الإيراني :
جاءت تصريحات أركان النظام الحاكم في طهران متناغمة لدرجة أن من يطلع على تصريحات المسؤولين الإيرانيين لن يجد فرقاً بالشكل والمضمون ومستوى قوة الرسائل والشكل العام للموقف الايراني تجاه الرياض.
حيث أعتبر المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنائي ان إعدام النمر سيطال النظام السعودي ، مشدداً على ضرورة " يقظة " العالم تجاه السياسات السعودية في ( اليمن والبحرين ) ودعا خامنائي جميع البلدان الإسلامية بما أسماها " المسؤولية " تجاه قضية "النمر".
كما أعتبر رئيس الجمهورية حسن روحاني ان إعدام النمر يندرج تحت إطار سياسات إثارة الفتنة وتأجيج الإرهاب والتطرف على حد وصفه.
أما وزير الخارجية محمد جواد ظريف فقد أكد ان سياسات الرياض ترمي إلى اذكاء الفتنة والفرقة ، وأشارت وكالة الأنباء الإيرانية ( إرنا ) إلى ان ظريف قد أجرى إتصالات مع عدد من وزراء خارجية دول المنطقة ، إضافة لإتصاله بالأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوربي عبر خلالها عن إدانة طهران لإعدام النمر.
وأشار الوزير الإيراني إلى ضرورة ( تعزيز المبادرات الإقليمية والدولية المشتركة لتجنيب الأقليات المذهبية أي ممارسات تحريضية مبنية على التطرف والطائفية ).
بينما قال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني : ان إعدام النمر هو الحدث الذي هز العالم بأكمله متوقعا حدوث ( إحتجاجات شعبية ) ستشهدها السعودية ، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية ( إرنا ).
أما رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية بمجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر ولايتي فقد رأى ان إعدام النمر مؤشرا على إنزعاج الرياض من أحداث اليمن ، مشيرا الى ثقته بعدم تمكن السعودية من حسم المعركة عسكريا لصالحها في اليمن ، وجدد ولايتي أهمية دعم إيران للحوثين ، وذلك خلال إستقباله لوفد يمني.
إلى ذلك قال عضو مجلس خبراء القيادة وخطيب طهران احمد خاتمي لوكالة مهر الإيرانية ان طهران ستتخذ الإجراءات الدبلوماسية اللازمة ضد الرياض.
من جهته طالب المتحدث الرسمي باسم الخارجیة الایرانیة حسین جابر انصاری فی مؤتمره الصحفي الاسبوعي باتخاذ حكومات دول المنطقة سیاسات تضع حدا لسیاسات السعودیة ، مشیرا إلی أن طهران ( أقدمت علی العدید من الخطوات فی هذا الاطار).
من جانب معنوي آخر أطلقت السلطات الإيرانية اسم نمر باقر النمر على الشارع الذي تقع فيه السفارة السعودية بطهران.

قراءة في مضمون الخطاب الإيراني :
تميز الخطاب الرسمي بالتوتر والآخذ باتجاه التصعيد الإعلامي والدبلوماسي وفيه إشارات إلى ان السياسة الإيرانية ستستخدم ورقة " العالم الشيعي " في هذه الحرب المتصاعدة وتيرتها ، وأنها ستلجأ لتحريك الشارع الإسلامي الشيعي في جميع دول المنطقة والعالم . تبين ذلك ايضا من خلال الحشد الواسع للمواقف السياسية والإعلامية المتحركة في مجال النفوذ الإيراني ضد الرياض . كما تميز الخطاب بالإشارة الواضحة لملفات البحرين والمناطق الشرقية في المملكة العربية السعودية، تلميحا لرغبة طهران دعمها للعنف وتأجيج الشارع العربي الشيعي  ، والتحرك نحو إفشال أي محاولة لتسوية سياسية بين اليمنين.
توقعات للداخل الإيراني :
في حال تصاعدت الأحداث سريعاً بين الطرفين دون وجود رغبة وتحرك حقيقي لإحتواء الأزمة  فمن المتوقع  أن تنشأ خلافات و ينقسم الموقف الايراني من داخل مؤسسة النظام الحاكم دون ان يظهر ذلك سريعاً ، الى قسمين : جماعة ستطالب بتصعيد إيراني ضد السعودية وإستثمار الغضب الشيعي المُصدر إيرانيا ، وجماعة اخرى ستطالب بعدم التصعيد لصعوبة إدارة الأزمة والجماعات الشيعية على نطاق واسع والدخول في مواجهة مباشرة مع الدول الخليجية والتحالفات العربية والدولية  التي شكلتها مؤخرا ، خاصة مع إستمرار طهران بالوقت نفسه في إدارة الملفات السياسية والامنية والمعارك القتالية في العراق وسوريا واليمن .
خطاب الأزمة لحزب الله :
يعتبر مشروع حزب الله رأس الحربة لإيران بالمنطقة العربية ، ولا يصح عمليا تسميته باللبناني ،نظرا لانتشاره  ونشاطاته العسكرية والامنية وخطاباته السياسية تتخطى الجغرافية اللبنانية ، مُتناغم كليةً مع الخطاب الايراني في ملفاته العربية المعقدة ، وذراعا تنفيذيا لمخططاته السرية والعلنية.
تميز خطاب حزب الله  بالحدية المتوقعة من موقعه كذراع تنفيذي لسياسات طهران التوسعية بالمنطقة العربية ، فقد طالب أركان الحزب علناً بأسقاط النظام الحاكم في السعودية ، حيث قال الأمين العام للحزب حسن نصر الله خلال كلمة له : ان إعدام النمر سيكتب نهاية النظام السعودي ، محرضاً على الوقوف بوجه النظام السعودي الحاكم على اعتباره الطاغوت.
بينما قال نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم : وصلت السعودية إلى أقصى الضعف وهي تحفر قبر نظامها بيدها.
مع إستمرار التصعيد ضد السعودية سيتحرك الحزب تماشياً مع  مضمون الخطاب والموقف الايراني من الناحية العملية التنفيذية ، سواء عبر ضرب المصالح السعودية في لبنان أو المناطق العربية أو بمحاولة تأجيج العنف وتحريك الشارع الشيعي في الدول العربية .
متطلبات الرد العربي :
طهران لن تتمكن بالوقت الحاضر من تهدئة حدة خطابها أو سياساتها التصعيدية العدوانية ، حفظاً لماء الوجه وسمعة إيران في العالم الاسلامي الشيعي ، خاصة بعد أحداث إستهداف السفارة والقنصلية السعودية بإيران  في مشهد أعاد للاذهان الهجوم على السفارة الامريكية بطهران عقب الثورة الخمينية فيها ، أما الهجوم على المصالح السعودية في ايران  أعقبه طرد الرياض للدبلوماسيين الايرانيين وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، الأمر الذي أعتبره مساعد وزير الخارجية الايرانية للشؤون العربية والافريقية حسين امير عبد اللهيان بـ"الخطأ" الاستراتيجي من جانب الرياض ، وأشار  في تصريحاته الى ان هبوط قيمة النفط عالمياً بسبب السياسة النفطية السعودية ، متهماً الرياض بلعب دوراً تخريبياً في المفاوضات النووية الايرانية.
ما يتطلبه الرد العربي يستوجب عدم ترك السعودية تتصدر المشهد منفردة عن أشقائها العرب ، لأن إنفراد السعودية في هذا الظرف الحرج سيرفع من فرص السياسة الإيرانية في تسويق مفهوم ان الاعتداء جاء من قبل السعودية على الشيعة  وهم " رعايا " إيران!، كما أن إنفراد السعودية في إدارة الأزمة سيجر الدول العربية نحو مزيد من التوترات الطائفية الداخلية تستثمرها طهران في اللعب على الوتر الطائفي وخطابه التحريضي ، لذا فأن الإطار العام لمتطلبات الرد العربي على الشكل التالي:
·   إعتماد السياسة العربية على الخطاب القومي العربي في إدارة الأزمة ومخاطبة الشارع العربي خاصة في دول الخليج العربي واليمن والعراق ولبنان وفلسطين ، والتأكيد على وحدة الموقف السياسي والاخلاقي العربي ، وأن خطوة تشكيل تحالفا عربيا مقره الرياض انما جاء من منطلق الحرص والدفاع عن الجسد العربي الواحد . إنصهار مواقف القيادات العربية في بودقة عمل عربي مشترك لمواجهة تحديات الامة العظيمة ضد المشاريع الاستعمارية والأطماع الأجنبية أي كان جنسها أو هويتها.
·   إعادة إنتاج القضايا العربية المُتنازع عليها مع إيران ، وإطلاق موقفا عربيا موحدا وحازم، واضح الأهداف والرؤية ضمن الإطار العربي المشترك تجاه ملفات ( العراق ، اليمن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ، الأحواز ،البحرين ، الجزر الاماراتية العربية الثلاث ) .
·   التأكيد على ضرورة تبني قضية عرب الأحواز ودعم مساعيهم للحصول على الاستقلال عن الدولة الفارسية ودعم الكفاح العربي الاحوازي بكافة السبل والأشكال وتبني القضية العربية على الصعيد الدولي .كذلك  ضرورة فتح ملف الجزر العربية الثلاث ورفعها للتحكيم الدولي وإستخدام كافة الوسائل الدبلوماسية والسياسية العربية للضغط.
·   إتباع سياسة " التعامل بالمثل " مع إيران عربياً ، عبر صياغة سياسة عربية منفتحه على القوميات والأعراق غير الفارسية المضطهدة المتواجدة ضمن الجغرافية الايرانية ، وتقديم الدعم لقضاياهم العادلة ، خاصة القضية الكردية يفترض على المجموعة العربية ان تقدم كل سبل وأشكال الدعم لها .
·   تحرك الدبلوماسية العربية والمنظومة الخليجية نحو إستخدام الملف الاقتصادي والنفطي مع الدول والأطراف المشترية للنفط الايراني بهدف عقد تفاهمات معها من شأنها التأثير مع العقوبات المفروضة دولياً على طهران في الملف الاقتصادي الايراني.


عدم القدرة على إدارة الأزمة عربياً بالشكل المناسب أو إنفراد السعودية بها أو عدم تمكن جميع القيادات العربية من الإتفاق على قرار المواجهة مع إيران ستكون له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها على العرب ومستقبل المنطقة ، بالتالي ستدخل المنطقة العربية في حالة فوضى عارمة أكثر مما هي فيه الآن، لذا يتطلب الظرف الراهن إتخاذ مواقف تأريخية جريئة ، فالتهديد أصبح وجودي بالنسبة للعرب ومستقبلهم على قضايا الهوية والسيادة والحرية والأمن.