ترجمة

الأربعاء، 9 مايو 2012

قراءة في طبيعة الأزمات السياسية في العراق

من مُسلمات أمور العملية  السياسية أن قادتها لم يتخطوا الأزمات ولن يتخطوها ، لاسيما وأن بعض المعنيين بشأن العملية السياسية والمقربين منها والمنخرطين فيها يصرون  دوماً على تكرار قول أن قادة العملية   " يعتاشون "على الأزمات ، وتأكيدهم على أن رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي يُعد نموذجاً لأولئك القادة .
الملاحظ في النهج المتبع من قبل القادة الحاليين في حال إندلاع أزمة سياسية والتي غالباً تكون أبعادها خارجية أتباعهم لمبدأ تعليق الأزمات بدلاً عن تصفيرها ، كما يُفترض في بعض المسائل حفاظاً على المصلحة الوطنية ، ما يؤدي بتفجير سلسلة أزمات في آن واحد كلما مررنا بأزمة جديدة ، حل مصطلح ترحيل الآزمات محل تصفير الازمات وسياسة عبور مرحلة محل سياسة تثبيت دعائم مكتسبات المرحلة ، أصبحت قواعد أساسية في طبيعة المشهد السياسي وحالة سلوكية أعتاد عليها القادة .
بمعنى أن جوهر الأزمة الحقيقي في كل أزمة هو سلسلة أزمات تراكمية أخذت طابع الازمة الواحدة ، تعليق الأزمات عوضاً عن تصفيرها نهجاً سياسياً نهجهُ قادة الصراع  تنافساً من أجل الفوز بإدارة الأزمة كأقوياء ومواجهة الخصوم كضعفاء وفق سياسية  " مطرقة وسندان " يُلوح بها تارة ويُضرب بها تارة أخرى أن أقتضى الأمر ذلك ،" المالكي نموذجاً مع خصومه " في الامساك بملفات فساد ضدهم يلوح بها بين الحين والاخر  كأداة حسم معركة سياسية ، و بنسب متفاوتة تحتفظ  أطراف الأزمة بأدوات ضاغطه  يلوحون بها كلما إشتدت الأمور وعصفت بهم  ، مع الأخذ بعين الإعتبار بوصلة الإرادات الخارجية المؤثرة في حسم الأمور .
يتأمل بعض الساسة والمتفائلون بحل الأزمة الراهنة بمجرد إنعقاد المؤتمر الذي دعي إليه من قبل أطراف الأزمة السياسية ، عبر تفعيل بنواد إتفاقية أربيل المزعومة! ، رغم أن بعض الساسة المطلعين على مقررات إجتماع أربيل أكدوا في أكثر من مناسبة بجلسات خاصة على عدم وجود أي إتفاق حقيقي " مُوقع " بين القادة السياسيين كما روج في الاعلام  ، سوى الاتفاق في حينها على فقرتين أساسيتين ،الاولى منها الموافقة على ترأس المالكي للحكومة وإصراره على ذلك بعدم الذهاب لاربيل قبل إبلاغه بموافقة الاطراف الرئيسية على ترأسه للحكومة ، والفقرة الثانية تتعلق بتقاسم المناصب والوزارات بين الكتل السياسية .أما بخصوص الورقة المقدمة من قبل التحالف الكردستاني والمدرج فيها تسعة عشر فقرة وغيرها ، لم يتم التوقيع عليها رسميا بين القادة السياسيين . "حسبما أفادت مصادر برلمانية مطلعة بذلك".
 لذا من المتوقع أن المؤتمر المزمع عقده لن يأتي بعصا سحرية  أو يقدم مفاتيح حلول حقيقية لتذويب الازمات السياسية ، وأنما يتوقع منه تعليق للأزمة الحالية وترحيل آخر لمرحلة قادمة لا محال .
محمد الياسين

إيران تتمادى و العرب صامتون!

لا ارى جدية باتجاه تحرك عربي للرد على الممارسات الاستفزازية لايران ، ولم نلمس من قادة الدول العربية وخاصة الخليجية سوى خيبة الامل والخذلان ، بالصمت المخزي والمعيب على التدخلات الفاضحة لايران بشؤون أوطاننا وشعوبنا ، حتى وصل الحال بأنكار الرئيس الايراني للحضارة العربية ، كما جاء على لسانه في زيارته قبل أيام والتي تعد الاولى من نوعها لجزيرة " أبو موسى " العربية ، المُحتلة إيرانياً منذ إنسحاب القوات البريطانية منها بالعام 1971 .
يتطاول مرة أخرى محمود أحمدي نجاد بوقاحته المعهودة وأكاذيبه المكشوفة بالقول ( ان كل الوثائق التاريخية تثبت  أن جزيرة ابو موسى جزيرة ايرانية ) ، ويتبجح بأن الحضارة الفارسية هي الوحيدة التي عرفتها المنطقة ) . كذلك تصريح رئيس أركان الجيش الإيراني اللواء حسن فيروز آبادي بقوله ( ان الخليج أنتمى وينتمي وسينتمي دائماً لإيران ) . و تهديد القائد السابق للحرس الثوري سكرتير مجمع تشخيص النظام محسن رضائي " بتدمير دولة الامارات ".
وإنكارهم المستمر بإنتماء الخليج للعرب ، وتحريفهم للحقائق التأريخية والجغرافية والسكانية بعائدية جزر( أبو موسى ، طنب الصغرى ، طنب الكبرى ) لدولة الامارات العربية المتحدة ، ومحاولات طمس الهوية العربية لمنطقة الاحواز وشعبها .كلها أدلة دامغة لجمت أفواه المشككين بكراهية الفرس للعرب .
صفاقة وعنصرية الخطاب السياسي والاعلامي لإيران إتجاه العرب لم يأتي بجديد على صعيد مواقف وتصريحات أركان النظام الإيراني ، وأنما جاءت تأكيدا على إستمرار ممارساتهم السابقة بسياساتهم الإستفزازية وتطلعاتهم الاستعمارية لشعوب المنطقة العربية .
 تلك نبذة عن بعض مواقف وتصريحات قادة النظام الايراني عبروا فيها عن كرههم وحقدهم التأريخي  إتجاه العرب ، لم يعد بالامكان أغفال صمت القادة العرب وزعماء دول الخليج عن تلك التدخلات التي أول ما ضربت بالعراق وعصفت به فحولته لساحة إيرانية بإمتياز . واليوم نشهد تمدد " الاخطبوط " الايراني بالدول العربية عبر تدخلاته السافرة ودعواته لقلب أنظمة الحكم وإشاعة الفوضى والاقتتال بين شعوب المنطقة .
 لم يحترم حكام إيران جيرانهم العرب وشركائهم التأريخيين في المنطقة ، الذين صاروا اهدافاً مكشوفه لهم ، وساحات يسرحون ويمرحون بها ، وتطلعات لاطماعهم المريضة واحلامهم الاستعمارية ،بعد  تخطي كل الحدود وتجاوز كل الخطوط الحمراء ، دق ناقوس الخطر و بات امرا واقعا لا محال ، يتطلب من قادة العرب وخاصة زعماء الخليج ، وقفة حقيقة وتصدياً مشروعاً للمطامع الفارسية المريضة ومطالبتهم بالاراضي العربية " المُغتصبة " ، عبر تفعيل كافة أوراق الضغط لدى العرب على إيران دون مهادنة أو تردد أو مساومة .
محمد الياسين

في "مبدأ رامسفيلد"..إستمراراً لإحتلال العراق!

لفهم كيفية استمرار الاحتلال والنفوذ الامريكي في العراق سأتوقف عند شرح ما بات يعرف لدى الاوساط العسكرية الامريكية " بمبدأ رامسفيلد " ، القائم اساسا على ان جوهر القوة العسكرية الامريكية هو بأستخدام قوى مشتركة خفيفة وأسهل حركة في الحرب تدعمها المعلومات الاستخباراتية وقدرات القيادة والسيطرة بما في ذلك مضاعفات القوة ، مثل الأجهزة الفضائية والطائرات غير المأهولة .
وقد شرح رامسفيلد ذلك للجنود المتواجدين في بغداد عقب الحرب على العراق قائلاً بالنص : إننا لسنا بحاجة لأن نسرع على أقدامنا ، إن ما نحتاجه هو إنجاز الأشياء خلال ساعات وأيام بدلاً من الأسابيع والأشهر ، وبأقل قدر من آثار أقدامنا على الأرض .
وكرر هذا المعنى نفسه قائد القوى المشتركة الجنرال " ريتشارد مايرز " فقد أكد على أن هذه الطريقة الأمريكية الجديدة في الحرب فيها قوات مشتركة مرنة الحركة قادرة على رؤية الأعداء والتخطيط والتصرف وتقييم حالة ساحة المعركة بأسرع من ذي قبل .ونتيجة لذلك فإن التأخر الزمني الذي كان مرتبطاً بمعرفة مصدر إطلاق النار والذي كان يستغرق ساعات أو أيام تناقص إلى دقائق  .
وفق مبدأ رامسفيلد فقد حل تعبير فضاء المعركة محل تعبير ساحة المعركة إذ أن الاشتراك بين المجال الجوي والأرضي والبحري والفضائي أصبح ارتباطاً وثيقاً للغاية ويسمح بإستخدام تشكيلات أصغر يمكنها أن تستخدم قوة مبيدة أو غير ذلك بأسرع ما يمكن وبشكل منظم حيث يتحكم بها نظام ضبط ومراقبة ديناميكي مرن .
وفق هذا المبدأ لا اجد انتهاءا لاحتلال العراق ولا يتعدى انسحاب القوات العسكرية التقليدية كونه تغييراً تكتيكياً اتبعته الادارة الامريكية وفق الاستراتيجية العامة إتجاه العراق و المنطقة .
عمليا نترجم مبدأ رامسفيلد واشاراته على أرض الواقع ، بالمهام والأهداف الحقيقية للشركات الأمنية " الأجنبية و العراقية " العاملة في الساحة العراقية ، و خاصة تلك التي دخلت البلاد بعقود أبرمتها مع السفارة والجيش الأمريكيين ، فهي تعد بديل " ذكي وقذر "لإستمرار الإحتلال ، لجأت إليه النخبة الامريكية كغطاء لجيش مُحتل من نوع أخر . فهذه الشركات التي يقدر قوام افرادها وعناصرها بالالاف تتمتع بميزات تختلف عن أفراد وجنود الجيش التقليدي ، من حيث تلقيهم تدريبات قتالية على حرب الشوارع والعصابات ، وكيفية التخفي بين المواطنين وجمع المعلومات الاستخباراتية ، وقيامهم بمهام" قذرة " كالاغتيالات بالقنص ونصب العبوات اللاصقة والخطف ، ونوعية تجهيزاتهم متطورة واوزانها خفيفة واحجامها صغيرة ، لا تشكل عبئ كما هو الحال بالنسبة لافراد وعناصر الجيش التقليدي ،ما يُعينهم على سرعة الحركة والمناورة والرد على مصادر النيران  والاستجابة بسرعة فائقة بتنفيذ المهام الموكلة اليهم ، لارتباطهم بمنظومة مركزية شبكية معقدة مرنة ، تُصدر اوامرها بالتنفيذ  بناءا على معلومات استخبارية دقيقة ، عكس الحال بالنسبة للجيش التقليدي الذي يتطلب وقت طويل لاصدار اوامره الى الوحدات العسكرية بالتحرك .
الفكرة تنطلق من مفهوم عدم تكافئ القدرة العسكرية والتجهيزات التكنلوجية بين الجيش العراقي مع الجيش الامريكي آبان الحرب الأخيرة ، أعقبه بعد الإحتلال عدم تكافئ من حيث حجم خسائر  جيش الأحتلال الأمريكي مع المقاومة العراقية ، التي أعتمدت في بداية الامر أسلوب " الحرب الشبحية " ثم أنتقلت لأسلوب " حرب الشوارع او " حرب العصابات " كما يسميها البعض ، بكلا الحالتان فأن جيش الإحتلال أستُنزف استنزافا عظيما ،فلا يخفى على احدا من المتابعين و المختصين بشأن مجريات وأحداث الساحة القتالية في العراق ، بأن المقاومة المسلحة قد تمكنت على مدى سنوات من تحقيق نجاحات باهرة ومثالية في كثير من الاحيان ضد قوات الإحتلال وإنزلت بهم خسائر بشرية ومادية ونفسية فادحة ، تستحق أن تدخل موسوعة جينس للأرقام القياسية .!
فأستوجبت تلك الحالة بحث النخبة الأمريكية عن وسائل وأساليب أخرى تُجنب قواتهم الخسائر ، وتمكنهم من الاستمرار بأرض المعركة ، وتُحقق أهدافهم بأقل كلفة وأسرع وقت ، وايضا توهم العالم والشعب الأمريكي بأنهاءهم الحرب بسحب قواتهم التقليدية من العراق.
محمد الياسين

الخميس، 19 أبريل 2012

المؤتمرات الصحفية لنواب الازمة العراقية !

لم اجد ما اصطلح به عليهم افضل من " نواب الازمة " فهم بالفعل نواب ازمة ، ليس بالمعنى الجيد ، وانما  يفتعلون الازمات فيقتاتون عليها دوماً ، من مهازل البرلمان في بغداد لمن يتتبع مؤتمرات اعضاءه الصحفية يجد ان الفاظهم وكلماتهم فيها لا تتعدى السب والشتم وكيل الاتهامات والتخوين بين بعضهم للبعض ، وجميعهم يتفقون فيها على وجود أزمة سياسية تجمعهم ويتحدثون عن ضرورة إيجاد حلول وردية لها ، لكن لا نلمس من انفاسهم " الطيبة جداً " معاناة المواطن اليومية ، ولم المس لمرة واحدة اشارة حقيقية لمعاناة المواطنين ، لا عتب على الاعلام اطلاقا فلولا مهنية بعض وسائل الاعلام في نقل الخبر والمعلومة لما تعرفنا على وجوه نواب الازمة وقدراتهم " الفنية " في تشخيصها ! ، اتمنى ان يتحدث اولئك النواب عن سفراتهم الى خارج العراق واقاماتهم مع عوائلهم في دول الجوار واوربا وعن الليالي الحمراء وسهرات السمر التي يقضيها البعض منهم " وهُم معروفين " ، وحجم المبالغ النقدية و" ارقامها الفلكية " التي تنفقها خزينة العراق عليهم ويتحمل اعباءها الكارثية المواطن العراقي .
فأن كانوا نوابا شيعة حقا الا يقتدون بامامنا علي ابن ابي طالب كرم الله وجه بما كان عليه من زهد وحرص على اموال المسلمين؟! وان كانوا سنة الا يقتدون بعمر ابن الخطاب رضي الله عنه بما كان عليه من زهد وحرص على اموال المسلمين ؟! ..فأين هم من سيرة أولئك العظماء ، وأين هم من مخافة الله  ، وأين هم من بطشه  وانتقامه ؟! .عذراً أيها القارئ العراقي الكريم على التوصيف وليس المقارنة فليس بينهم وبين اولئك الرجال اي وجه للمقارنة وانما  هو فضح وكشف لحقائق لم تعد خافيه  على احدا منا وادعاءاتهم الكاذبة بالاقتداء بهم وبزهدهم وعفتهم وطهارتهم .
وعذراً مرة اخرى على استخدام مصطلحات كريه واشدها كرها وبغضاً الى نفسي ، لكنهم من وضعوا انفسهم مواضع الدفاع الزائف عنها و يفخرون بطائفيتهم المقيته ، وحتى في ذلك هُم كاذبون ، فليست سوى مبررات للعب بعقولكم وقلوبكم وشد انتباهكم لثرثراتهم وتحريك عواطفكم اتجاههم لاستمرارهم بنعيم ثروات العراق وشعبه..!!!.
دائما الكثير من الاسئلة تراودني  اشارككم اليوم بعضاً منها : فمن اولئك القوم ؟! احقاً يمثلوننا ؟!، ام يمثلون انفسهم ؟! ،هل ينصتون بجدية لمعاناتنا ،ام يبحثون عن مصالحهم فقط؟! هل يحملون مشاكلنا وهمومنا محمل الجد ، ام يشغلهم عنها التفكير بزيادة ارصدتهم وشراءهم الفلل والشقق والسيارات الفارهة خارج العراق بأموال الشعب ؟! هل يمثلوننا حقا؟! ام يمثلون دولهم الراعية  ؟! ، هل تفكرون حقا بإعادة انتخابهم مرة اخرى ؟! ام ستبحثون عن فقراء اخرين على شاكلتهم تغنونهم بدخول البرلمان ؟!
دعوتي هنا الى الاخوة الاعلاميين العراقيين الشرفاء ان يعدو برامج وثائقية عن حجم المصروفات التي تنفقها الخزينة العراقية على نواب الازمة في دول اقاماتهم ، وكشف اوضاعهم المادية قبل دخول البرلمان وبعده ، وحياة الترف التي نعرف جانبا منها لبعض منهم والتي يعيشونها خارج العراق وما خفي كان اعظم واعظم ...
فهو واجبا انسانيا ووطنيا واخلاقيا عليكم كعراقيين اولا ، و مهنين ثانيا، وحقا لابناء شعبكم  ان يطلعوا على حجم فساد من يدعون تمثيلهم في برلمان الازمات والكوارث .
محمد الياسين

قراءة تحليلية : كشف خبايا جهنمية سيناريو المنطقة الاقليمية

·      استعراض
·      مداخل الصدام الطائفي الكبير ، والملف السوري.
·      قطبي الصدام ( ايران الصفوية و تركيا العثمانية ).
·      تصريحات ومواقف واحداث استنتاجيه.
·      سياسات التجييش للأعلام المذهبي ، واعادة البناء النفسي والفكري.
·      المؤشرات الكبرى ، والمراحل المتقدمة للسيناريو

إن ادراك مرامي أهداف الإستراتيجية الدولية للشرق الجديد بإعادة ترسيم الخارطة الجيوسياسية والديموغرافية للعالم العربي والاسلامي يدعونا في البحث عن أبرز السيناريوهات المفترضة لتحقق الهدف الدولي ، لم اجد في كل السيناريوهات المحتملة الحدوث أخبث واكثر احكاما من النبش في ارث الماضي القديم الجديد لشعوب المنطقة وتأريخها  ، نفض الغبار عن العقد المذهبية وترتيب المنطقة وفق نماذج خلافية يعد الاكثر خطرا ونجاحا في تحقق اهداف النخبة الدولية ، إعادة ترسيم حدود المنطقة جغرافيا وسياسيا وبشريا يمر عبر فكرة صدام طائفي كبير يشمل دول المنطقة التي يتشكل نسيجها الإجتماعي من سنة وشيعة  كما تتأثر باقي الدول المتواجدة في نطاق الصراع، والصدام الطائفي يمر بالعديد من المراحل اخطرها اليوم عبر سوريا .
 ابرزت الحالة السورية بمعطياتها الجديدة مخرجات كارثية في طبيعة المعادلة الاستراتيجية تجاه المنطقة ، فأحداث سوريا صارت الاكثر تفاعلاً بالعالم الاسلامي والعربي من منظور مذهبي طائفي بات يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل المنطقة برمتها ، اعظم من خطرِ تقسيم العراق ،  تناولت قبل الاحداث السورية بسلسلة مقالات تحليلية تداعيات تقسيم العراق على اسس مناطقية مذهبية طائفية واعتبرت انها المدخل لبلوغ ذروة الصراع الطائفي في عموم المنطقة بسبب ما يعقبه من تخندقات طائفية واسعة النطاق  ، لولا طبيعة المعطيات الراهنة بالمشهد الاقليمي والسوري تحديداً لصار مشروع تقسيم العراق بوابة الولوج لمرحلة الصدام .اما اليوم و في ظل المتغيرات المتسارعة في الحدث السوري يمكننا الجزم بأن سوريا قد اقتربت جداً من كونها اصبحت مدخل رئيسي لبلوغ ذروة الصدام الطائفي بالمنطقة .
ايقنت تماماً ان هذا السيناريو الذي سأتطرق الى شواهده يستوجب لاتمامه استمرار بشار الاسد حاكماً على رأس سلطة فاقدة للشرعية ومضطربة غير مستقرة على الصعيد الامني والسياسي والاجتماعي لمدة تتراوح بين سنة الى ثلاث سنوات تكتمل فيها مقومات الصدام في المنطقة وتتضح المراكز الكبرى لقطبي الصراع .
من الجدير بالذكر قبل ان نتناول شواهد ومعطيات جهنمية هذا السيناريو بمراحله الكبرى علينا ان  ندرك ضرورة عدم الانصات بجدية عالية  لتصريحات المسؤولين الغربيين والامريكيين ، فبقاء بشار الاسد على رأس السلطة سيكون برغبة دولية امريكية غير مُعلنة .
لو كان المجتمع الدولي وامريكا جادين بإزاحة بشار الاسد ونظامه كما حدث في ليبيا بدعم الثوار لتمكنوا من ذلك ، لكن استراتيجيتهم لاشعال المنطقة تقتضي الابقاء على بشار الاسد في الوقت الراهن والابقاء على المعارضة الثورية ايضا ، تاكيداً على هذه القراءة اسرد ما قاله السيد هنري كيسنجر وهو احد كبار واضعي الاستراتيجيات الخارجية لامريكا في لقاءه لاحدى القنوات الاجنبية حول الملف السوري قال بالحرف  
 " سنحرق سوريا من الداخل "!.
كوفي عنان في تقريره حول الوضع في سوريا الى الجمعية العامة للامم المتحدة قال فيه : على المعارضة السورية وقف العنف ، وذكر بأن الجماعات المسلحة في سوريا لا تزال مستمرة بمهاجمة القوات النظامية ،واشار ايضا في تقريره بأنه تلقى وعود من النظام الحاكم بسحب المظاهر المسلحة من المدن ، " في ذلك تبريراً واضحاً " للاسد ، واثنى في بعض الكلمات على نظامه!! ، وختم تقريره بجملة تستحق الوقوف عليها والتمعن بمغزاها جيداً اذ قال : ان رياح التغيير لا يمكن مقاومتها لوقت طويل "!!! ، في ذلك التقرير اشارات واضحة بدعم استمرار الاسد بحكمه ، و اشارة واضحة بأن عامل الزمن كفيل بعملية التغيير في سوريا.! 
صحيفة "يديعوت احرونوت " الاسرائيلية " نعت" سقوط الاسد بعد اكثر من عام على اندلاع الثورة . بحسب الصحيفة  " بعد اندلاع الحرب الاهلية في سوريا بات جيشه يسيطر من جديد على كل المناطق في هذا البلد " . واوعزت الصحيفة أسباب ما أسمته " إنتصار الاسد " الى عدم جدية المجتمع الدولي لاسقاطه ، مما أضعف قدرات الثوار السوريين حسب الصحيفة ، باشارتها الى انه " لا غرو من ناحية الاسد ان يعلن انه أنتصر في هذه الحرب وان معركة أسقاطه قد أنتهت ".
أن الاشارات واضحة في الصحيفة الإسرائيلية عن ان المجتمع الدولي لم يتعامل بجدية مطلقة لإسقاط حكم الاسد واكتفى بالعقوبات وعزله دبلوماسياً ، والترويج ايضاً لفكرة " انتصار" نظام الاسد في المعركة ضد الثوار وبقاءه بالسلطة . 
جاء انعقاد القمة العربية في بغداد بمباركة امريكية ايرانية ،اما الشكل الذي بدت عليه من ضعف بمستوى التمثيل الدبلوماسي للدول المشاركة لم يكن اطلاقا من قبيل صدفه ، فغالبية مواقف الدول العربية المشاركة بالقمة  داعمة منذ البداية للثورة والتغيير في سوريا، وخروج قمة بغداد بموقف غير واضح تجاه الاحداث السورية مؤشر على دعم الجهود السياسية للابقاء على الاسد بالوقت الراهن ، وكما اسلفت ان هذا الموقف جاء برغبة امريكية غير مُعلنة ، وتصريحات السيد المالكي بمؤتمره الصحفي بعد القمة بقوله ان اسقاط نظام الاسد بالقوة امر مرفوض ، دليل اخر على صحة القراءة في مراحل السيناريو ، ثم  انعقاد قمة بغداد يعد انجازا حقق لايران هدفين مهمين في هذه المرحلة ، الاول منها تخفيف الضغط على حليفها السوري وكسبه المزيد من الوقت لترتيب اوضاعه الداخلية وقمعه للثوار ، من جهة اخرى دعم الحليف العراقي وتثبيت وجوده السياسي  في ظل الاضطرابات الداخلية التي تعيشها البلاد مما سيعطي لحكومة المالكي القوة المفرطة بالتصرف مع خصومه والاستمرار في اقصاءهم عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار العراقي على المدى القريب .
طلب ايران الذي قدمته للحكومة العراقية لاستضافة الاجتماع الدولي للاعضاء الدائمين في مجلس الامن والمانيا ( مجموعة الخمسة زائد واحد )  في بغداد  بشأن الملف النووي الإيراني عوضا عن انعقاده في انقرة كما كان مقرر جاء بسبب الخلافات بين طهران وانقرة بخصوص الاحداث في سوريا ، يصب في نفس اتجاه تدعيم الهدفين الإيرانيين سالفا الذكر.
جدير بالاشارة هنا ان نذكر ان دخول حكومة المالكي " بتفويض" اقليمي وتجاهل دولي، كطرف فاعل في الملف السوري  ربط مصيره بشكل كبير مع مصير النظام السوري!.
مع بقاء بشار الاسد في سوريا  سيستمر عدم الاستقرار الامني والسياسي والاجتماعي وتتصاعد عمليات بطش اجهزته الامنية بالثوار ويتسع نطاق العزله الدولية والاقليمية التي يعيشها نظامه وتزداد وتيرة حدة الحرب الكلامية بين كافة اطراف السيناريو " ايران وحلفاءها ، الدول العربية ، تركيا ، الغرب وامريكا " .
اللافت للنظر ان اسرائيل ستكون بمنأى عن الحرب الكلامية ، وتكتفي بالاشارات المستمرة بتوجيه ضربة عسكرية لايران بخصوص برنامجها النووي ، وبعض التصريحات الاخرى التي ستصدر عنها بين الحين والاخر .
كما اسلفت ان الملف السوري بات مدخل رئيسي لبلوغ ذروة الصدام الطائفي في المنطقة ، وفي ذلك مراحل تتصاعد تدريجيا حتى تصل مرحلة اللاعودة بإتجاه الصدام ، نلاحظ اليوم في بعض البرلمانات العربية وخاصة الخليجية بروز ظاهرة  مشادات كلامية بين نواب شيعة واخرين سنة كما حدث في البرلمان الكويتي حول قضية سوريا ،فالشيعة منهم يدعمون النظام السوري من منطلق طائفي والسنة منهم يدعمون الثورة من منطلق طائفي ايضا ، كما حدث ويحدث بخصوص احداث البحرين ، فالشيعة يدعمون تطلعات الشريحة الشيعية بالمجتمع البحريني بتغيير النظام الحاكم والسنة يعدونه مؤامرة ايرانية لقلب نظام الحكم السني .
بكلا الاحوال هي حقائق لا شك فيها ،اذ بات شعور سائد بعدم الثقة  والتخوين بين كافة الاطراف وهو نابع عن خوف و صراع من اجل البقاء لهذا المكون المذهبي او ذاك ، الشاهد في قولي  ان هذه الحقائق  قد تركبت ورسخت بخبث ودهاء ضمن مراحل المشروع الكبير للمنطقة الاقليمية ، ناهيك عن القوى والتيارات الدينية السياسية والاجتماعية السنية والشيعية بعموم دول المنطقة التي اخذت تتبنى هذا الطرح في كل قضية تشتعل هنا وهناك ، صعود التيارات الاسلامية لمواقع السلطة والحكم في الدول التي طالها التغيير تعد من المراحل الخطيرة والمتقدمة في هذا السيناريو ، في ضل غياب الاستقرار وثقافة ادارة الدولة بسبب فوضى التغيير وتمكن ايران توثيق الرابط بينها وبين القوى الشيعية داخل هذه الدول ودعمهم ، وتمكن قوى سنية الافصاح عن تطلعاتها السلطوية والوصول لسدد الحكم .
من يتتبع فضاء الاعلام الواسع اليوم سيجد فورة وهيجان مخيف ببروز الاعلام المذهبي الطائفي ، عشرات الفضائيات السنية والشيعية التي تتناول موادها الاعلامية بصياغة طائفية تعتمد اساليب السب والشتم وكيلها الاتهامات بين بعضها البعض ، وتكفير علماء السنة لعلماء الشيعة وجمهورهم وكذلك تكفير علماء الشيعة لعلماء السنة وجمهورهم وتوظيف الحالة الاعلامية في هذه الفضائيات بدعم التغييرات السياسية السنية والشيعية ضد بعضها البعض والتحريض على قتال السنة للشيعة وقتال الشيعة للسنة ، اللافت للنظر ان تزايد انطلاق هكذا فضائيات ووسائل اعلام مع تصاعد ملحوظ بنسبة المشاهدة والمتابعة من قبل الجمهور الاسلامي والعربي لتلك الفضائيات وفق الانتماءات الطائفية والمذهبية والتفاعل الخطير مع ما تبثه من مواد اعلامية طائفية وسياسية تحريضية .
الخطير في  الامر تمكُن هذه الادوات الاعلامية ان تصنع وجوها دينية من سنة وشيعة يتقبلها جمهور الفريقين وينصت اليها . هذه المرحلة تدخل ايضا ضمن مراحل متقدمة في  السيناريو ببناء حالة عامة نفسية وفكرية تحاكي عواطف الناس وتحثهم على قتال بعضهم البعض وتزرع فيهم شعوراً بمظلومية طوائفهم المذهبية من بعضها البعض ، وبات طبيعي بل ويعتبره البعض من جمهور السنة والشيعة في دول المنطقة واجبا شرعيا ان تتدخل دول كبرى تنتمي لمذهبيتهم وطائفيتهم بشؤونهم الداخلية لنجدتهم ومد يد العون لمساعدتهم .هذا الشعور والتحول الفكري والنفسي السريع اضعف الكثير من روح المواطنة بالتالي عطل الكثير من الحلول المحلية الوطنية وارتفع بالروح الطائفية والنظر  خارج الحدود للبحث عن حلول ونماذج طائفية بامتياز . استنجاد نظام الاسد بإيران وبمليشيات شيعية من لبنان والعراق تقاتل بصفهِ أبناء شعبه للبقاء في حكمه مثال على ذلك . 
جهنمية السيناريو الشيطاني تكمن اهدافها الكبرى بخلق فجوة لا تلجم بين شعوب المنطقة الاسلامية والعربية وشقهم لفريقين مذهبيين متصارعين فريق سُني واخر شيعي ، تشخيص المراحل المتقدمة في السيناريو  تكتمل عند بروز قطبين كبيرين تأريخيين متوازنين في القوى متضادين في العقيدة المذهبية .
المؤشرات الكبرى لقرب مرحلة الصدام  هي ملامح بروز قطب سني كبير في المنطقة لموازنة معادلة الصراع السني الشيعي ، فلم استوعب لمدة قريبة ان تكون السعودية مركز القطب السني الوحيد في هذه المعادلة  ضد ايران القطب الشيعي الكبير، فالسعودية بالرغم من اهميتها وقدسيتها في العالم الاسلامي ولدى السنة تحديدا فهي لا توازي ايران من حيث القوة والمساحة والتعداد البشري ناهيك عن ان السعودية لن تكون مركز مناسب للقطب السني ففيها ورقه ايرانية ضاغطة اخرى هُم شيعة السعودية ، القصد من القطب الذي بدا يبرز في الافق  من خلال القضية السورية هو تركيا ، فتركيا تخطو خطوات متسارعه جدا نحو ان تعود الى امبراطوريتها العثمانية السنية " القطب السُني الكبير " لمواجهة الامبراطورية الصفوية الشيعية " القطب الشيعي الكبير "  .
في الختام اود الاشارة الى ان استعراضي للمشهد الاقليمي لا يتعدى كونه استنتاجا بنيته على معطيات ومؤشرات اعتقدت بها وهو استنتاج يحتمل الخطأ والصواب ، وليس من منطلق مذهبي او طائفي اطلاقاً ، و ارجوا ان اكون مخطئا في تحليلي هذا ، من منطلق الحرص على ارواح الابرياء وسلامة الاوطان والتعايش بسلام ووئام بين كافة شعوب المنطقة ، بغض النضر عن الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية والفكرية ، واتمنى ان تكون قراءتي " للمشهد الكبير " قد احتملت الخطأ وليس الصواب .اما ما يخص طبيعة المواقف السياسية والانسانية التي انتمي اليها وقد يحاول البعض حرفها عن مسارها الذي اؤمن به بإتجاه مسارا اخرا لا اؤمن به اطلاقا وهو  " الطائفية " ،فسيكون  خاطئ تماما بهذا الاعتقاد ، فإيماني بالله مطلق وانتمائي للانسانية حتمي وقناعتي بالدولة المدنية الدستورية والنظام السياسي الليبرالي المعتدل قناعة مطلقة لا غبار عليها .
محمد الياسين