ترجمة

السبت، 30 يناير، 2016

سوريا على طاولة السلام في جنيف!

محمد الياسين

هل عزمت القوى الكبرى المتورطة بالحرب في سوريا على ضرورة حسم الأزمة؟ هل سنشهد تحريك للمياه الراكدة في المستنقع السوري؟!
أعلنت الأمم المتحدة يوم الجمعة المصادف 29 كانون الثاني عام 2016 عن بدء مفاوضات الأزمة السورية ، وأضافت المنظمة في بيان لها أن السيد ستيفان دي مستورا المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بالأزمة سيبدأ بلقاء وفد الحكومة السورية ثم يواصل إجتماعاته مع قوى المجتمع المدني والمعارضة السورية ، مشيراً إلى ان المحادثات ستكون غير مباشرة .
قال رئيس الوزراء السوري المنشق ورئيس اللجنة العليا للمفاوضات رياض حجاب أن روسيا وبشار الأسد "لا يريدان حلا سياسيا للازمة " . رغم ان الأخير لا يشكل سوى الحلقة الأظعف في صناعة القرار ضمن دائرة واسعة النطاق من القوى الدولية والاقليمية تعتبر مراكز قوى رئيسية في إدارة الحرب والمشهد السوري ، من بينها موسكو التي لا تزال صاحبة قرار في الحرب ، وان موقف الاسد ليس إلا ترجمة حرفية للموقف الروسي .موسكو خاضت بثقلها الدبلوماسي والعسكري الحرب السورية بإعتبارها البوابة الوحيدة للعودة من جديد إلى المكانة العالمية التي فقدتها عقب إنهيار الإتحاد السوفيتي!.
مثلما الإرهاب يجب أن يدرس من زوايا سياسية ، الحرب السورية يفترض أن توضع في رؤية سياسية واسعة ايضا ، فالاتفاق الامريكي – الايراني بخصوص الملف النووي الذي أفضى عن رفع العقوبات الإقتصادية عن طهران  يكون قد مر قبل بلوغه مرحلة الإعلان بمحطات ومراحل ومفاوضات سرية وعلنية ، حتى خلال التصريحات النارية الرسمية المتبادلة بين واشنطن وطهران جانب كبير منها كانت رسائل مشفره سواء من الاميركيين لحلفاءهم والعرب منهم، الذين تتسرب اليهم بعض تفاصيل المباحثات الامريكية الايرانية ، كذلك للضغط أحدهما على الآخر مع إستمرار المفاوضات التي ربما كانت تستخدم فيها الدبلوماسية السرية و القنوات المباشرة والغير مباشرة والقنوات الخلفية لنقل الرسائل بين الجانبين!. لا ننسى أن جانب مهم من السياسة الخارجية الامريكية لايزال متأثر بأفكار وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عراب العلاقة الأمريكية – الصينية! الذي مزج بين العنف والتهديد من جهة ، وبين الدبلوماسية من جهة اخرى!.
أمريكا رفعت العقوبات الإقتصادية عن طهران وهرول رئيسها حاملاً حقيبته الإقتصادية لأوربا التي أخذته بالأحضان لإسعاف الإقتصاد الإيراني المنهك! ، فماذا ستقدم طهران لأمريكا بالمقابل؟! ، هل القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي كافية لطمأنة الحكام العرب من إيران الخمينية ما بعد رفع العقوبات؟ هل سينسى حكام طهران مشروع تصدير الثورة للدول العربية في خضم بحبوحة إقتصادية قدمتها لهم واشنطن؟؟! أم أنهم ماضون في عدوانيتهم المعهودة ودعم الفوضى بالمنطقة العربية؟!. زار نائب الرئيس الامريكي جو بايدن قبل أيام تركيا التقى خلالها مع أردوغان وأوغلو، رغم  المعلن عن اللقاء أنه شابه جواً من التوتر بسبب شعور تركي متزايد  بتقارب أمريكي – روسي بشأن سوريا بالتالي تراجع فرص فرض الحل في سوريا على الطريقة التركية!، وكذلك نظرة واشنطن غير المشجعة لحد كبير من وجهة نظر أنقرة حيال ملف حزب العمال الكردستاني ، لكن المؤكد أن بايدن حمل رسالة أمريكية لأنقرة بخصوص سوريا ، غالباً أنها تحث الأتراك على إبداء مرونة حقيقية في حل الملف السوري على الطريقة الأمريكية الدولية! ، خاصة أن المحطة التركية في هذا النزاع لايمكن تجاهلها في حال أريد التوصل لحل حقيقي للأزمة السورية ، دعم الحكومة التركية لجماعات مسلحة سورية وإيواء النازحين والمعارضين السياسيين وتبني القضية دبلوماسيا على الصعيد الدولي يجعل منها رقما صعبا في المعادلة السورية المعقدة!. من المحتمل ان واشنطن ستتغاضى عن أي إجراء قد تتخذه أنقره ضد حزب العمال الكردستاني مقابل تعاونها بالضغط على جماعات المعارضة السورية المرتبطين بها للمشاركة في مؤتمر جنيف وتقديم تنازلات للتوصل لصيغة حل للأزمة على الطريقة الدولية!.
أما روسيا التي تعيش حلم العودة لأمجاد الماضي في عهد بوتين! قد تحظى بشيئ من القيمة والمكانة الدولية الساعية خلفها إذا ساهمت في إنجاح مؤتمر جنيف!! ، رغم ان الأخبار الواردة عن الأزمة الأوكرانية شبه منعدمة في الاعلام العربي! ، لكن أي تحرك روسي سلبي في أوكرانيا قد يفجر أزمة جديدة بين موسكو وواشنطن وربما يخرب التقارب الحذر بينهما في الملف السوري!.
أما إيران التي لا ندري هل خلعت الحجاب! أم أمريكا أسلمت! أم لغة المصالح بينهما إرتفعت!! ، فهي تعيش نشوة الإنفتاح الإقتصادي الأوربي عليها ، بحبوحة إقتصادية ومعنوية تنتشلها من عبئ الإستنزاف المالي الذي عانت منه داخلياً جراء حروبها في العراق وسوريا واليمن ، على أي حال ستتضح طبيعة العلاقة الرسمية! بين طهران وواشنطن أقلها من خلال خطب الجمعة في طهران بعد عدة أشهر من الآن ، إذا إعتبرنا ان المنبر الخميني! سينشغل بالاشادة بالدبلوماسية الإيرانية خلال الاسابيع الاولى من رفع العقوبات! لكن تبقى شعارات " كلا كلا أمريكا ، كلا كلا إسرائيل "!!!" الموت لامريكا وإسرائيل"!! المتجذرة في أدبيات الثورة الخمينية! في مأزق! كيف ستجد طريقها نحو التغيير! ، رغم أنها لا تعني الكثير لمن قيل لهم الموت و كلا!! لكن من حسن حظ النظام الايراني أن الأمريكيين يحضون بروح دعابة وطول بال!! فيتقبلون الهتاف ضدهم طالما ليست سوى شعارات للإستهلاك المحلي!!!.
لربما ستتضح بنود الصفقة الامريكية – الايرانية من خلال مباحثات السلام في جنيف، إذا أبدى الايرانيون مرونة من خلال الحكومة السورية المحسوبة على طهران ، وكذلك القوى الميليشياوية المسلحة على الأرض لتمرير خارطة الطريق المطروحة دولياً .
كما لو تبين ان للصفقة الامريكية الايرانية بنود إقليمية متعددة ، سيتضع ذلك حتما على العراق ايضاً ، فقد نشر موقعا إيرانيا مقربا من الحرس الثوري الايراني معلومات قال أنها مسربه مفادها ان واشنطن إشترطت على بغداد الموافقة على تطبيق الفدرالية اللامركزية في البلاد بتقسيمها لثلاث أقاليم كما في الدستور العراقي ليتم إنهاء ملف داعش بالقضاء عليه كليةً ، وأن تنهي إيران نفوذها الكامل من العراق وتلتزم بوجودها الدبلوماسي فقط!!.

أما على صعيد الموقف السعودي فقد أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات السورية المدعومة من الرياض المشاركة بالمباحثات المنعقدة في جنيف ، وكانت وزارة الخارجية السعودية قد رحبت بموقف الهيئة السورية المعارضة بالمشاركة في محادثات السلام!. فالرياض ستهدأ مخاوفها من إيران إذا توافقت الاطراف السورية وسار الجميع على خارطة الطريق الموضوعة دوليا ، كذلك ستهدأ مخاوفها كثيراً إذا تحققت الرغبة الامريكية في العراق والتي تحجم النفوذ الايراني! ، كما أن خيار الحل المناسب للرياض بخصوص اليمن سيكون قاب قوسين أو أدنى إذا تحققت تلك الرؤية في العراق وسوريا! . يبقى السؤال القائم هو : هل تضمنت الصفقة الامريكية الايرانية بنود بهذا المستوى ؟ هل ستتخذ طهران سياسة أقل عدائية تجاه العرب ؟ هل مارست الإدارة الامريكية سياسة " الإحتواء المناسب " مع إيران وربما روسيا ايضا؟!.


الأربعاء، 6 يناير، 2016

حصاد المواقف في هيكلة الأحداث ( الأزمة السعودية – الإيرانية ) ومتطلبات الرد العربي

محمد الياسين

لم تأت الأزمة السياسية والدبلوماسية بين الرياض وطهران من فراغ ، ولفهم طبيعتها  وأسبابها التراكمية  والتسارع الدرامي المحموم للأحداث يتطلب عمق أكثر في قراءة خارطة المصالح الإستراتيجية ومحاور الخصومة التأريخية والجيوسياسية والتحليل المتزن لأبعاد العلاقة بين البلدين قبل التسرع بإطلاق الأحكام والإتكال على ملف الإعدامات كسبب رئيسي! ، خاصة ان المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية يمارسان أحكام الإعدام ضد المعارضين المحكومين بقضايا إرهاب أو يشكلون تهديداً لنظام الحكم + .
الصراع السعودي – الإيراني قديم ويتمحور حول الزعامة على العالم الإسلامي والمصالح الإقتصادية لكلا من البلدين وصراع النفوذ والمصالح في اسيا وافريقيا وسياسات إستقطاب الدول الاسيوية ذات الهوية الإسلامية أو التي يشكل فيها المسلمون نسبة معينة ، المنسلخة من الإتحاد السوفيتي السابق فهذا المجال الجيوسياسي الكبير الغني بالنفط والطاقة والانسان والثروات والمياه يعتبر من المناطق الحساسة للغاية ضمن خارطة القوى والتحالفات الدولية "الآوراسية" أي ( أسيا وأوربا ) وهي في نفس الوقت تعتبر منطقة تنافس سعودي – إيراني ، إضافة لملفات المنطقة العربية وملفات الأزمة فيها ( العراق ، اليمن ، سوريا ، لبنان ،البحرين ، فلسطين ).
في إطار الأزمة السياسية بين السعودية وإيران على آثر إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي "السعودي الجنسية" نمر النمر مع عدد آخر من المعارضين المتهمين بالإرهاب والتطرف من قبل السلطات الحكومية ، نستعرض المواقف الإيرانية تجاه الرياض ، وإحتمالات التصعيد ضمن سيناريو درامي محتمل.



هيكلية خطاب الأزمة الإيراني :
جاءت تصريحات أركان النظام الحاكم في طهران متناغمة لدرجة أن من يطلع على تصريحات المسؤولين الإيرانيين لن يجد فرقاً بالشكل والمضمون ومستوى قوة الرسائل والشكل العام للموقف الايراني تجاه الرياض.
حيث أعتبر المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنائي ان إعدام النمر سيطال النظام السعودي ، مشدداً على ضرورة " يقظة " العالم تجاه السياسات السعودية في ( اليمن والبحرين ) ودعا خامنائي جميع البلدان الإسلامية بما أسماها " المسؤولية " تجاه قضية "النمر".
كما أعتبر رئيس الجمهورية حسن روحاني ان إعدام النمر يندرج تحت إطار سياسات إثارة الفتنة وتأجيج الإرهاب والتطرف على حد وصفه.
أما وزير الخارجية محمد جواد ظريف فقد أكد ان سياسات الرياض ترمي إلى اذكاء الفتنة والفرقة ، وأشارت وكالة الأنباء الإيرانية ( إرنا ) إلى ان ظريف قد أجرى إتصالات مع عدد من وزراء خارجية دول المنطقة ، إضافة لإتصاله بالأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوربي عبر خلالها عن إدانة طهران لإعدام النمر.
وأشار الوزير الإيراني إلى ضرورة ( تعزيز المبادرات الإقليمية والدولية المشتركة لتجنيب الأقليات المذهبية أي ممارسات تحريضية مبنية على التطرف والطائفية ).
بينما قال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني : ان إعدام النمر هو الحدث الذي هز العالم بأكمله متوقعا حدوث ( إحتجاجات شعبية ) ستشهدها السعودية ، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية ( إرنا ).
أما رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية بمجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر ولايتي فقد رأى ان إعدام النمر مؤشرا على إنزعاج الرياض من أحداث اليمن ، مشيرا الى ثقته بعدم تمكن السعودية من حسم المعركة عسكريا لصالحها في اليمن ، وجدد ولايتي أهمية دعم إيران للحوثين ، وذلك خلال إستقباله لوفد يمني.
إلى ذلك قال عضو مجلس خبراء القيادة وخطيب طهران احمد خاتمي لوكالة مهر الإيرانية ان طهران ستتخذ الإجراءات الدبلوماسية اللازمة ضد الرياض.
من جهته طالب المتحدث الرسمي باسم الخارجیة الایرانیة حسین جابر انصاری فی مؤتمره الصحفي الاسبوعي باتخاذ حكومات دول المنطقة سیاسات تضع حدا لسیاسات السعودیة ، مشیرا إلی أن طهران ( أقدمت علی العدید من الخطوات فی هذا الاطار).
من جانب معنوي آخر أطلقت السلطات الإيرانية اسم نمر باقر النمر على الشارع الذي تقع فيه السفارة السعودية بطهران.

قراءة في مضمون الخطاب الإيراني :
تميز الخطاب الرسمي بالتوتر والآخذ باتجاه التصعيد الإعلامي والدبلوماسي وفيه إشارات إلى ان السياسة الإيرانية ستستخدم ورقة " العالم الشيعي " في هذه الحرب المتصاعدة وتيرتها ، وأنها ستلجأ لتحريك الشارع الإسلامي الشيعي في جميع دول المنطقة والعالم . تبين ذلك ايضا من خلال الحشد الواسع للمواقف السياسية والإعلامية المتحركة في مجال النفوذ الإيراني ضد الرياض . كما تميز الخطاب بالإشارة الواضحة لملفات البحرين والمناطق الشرقية في المملكة العربية السعودية، تلميحا لرغبة طهران دعمها للعنف وتأجيج الشارع العربي الشيعي  ، والتحرك نحو إفشال أي محاولة لتسوية سياسية بين اليمنين.
توقعات للداخل الإيراني :
في حال تصاعدت الأحداث سريعاً بين الطرفين دون وجود رغبة وتحرك حقيقي لإحتواء الأزمة  فمن المتوقع  أن تنشأ خلافات و ينقسم الموقف الايراني من داخل مؤسسة النظام الحاكم دون ان يظهر ذلك سريعاً ، الى قسمين : جماعة ستطالب بتصعيد إيراني ضد السعودية وإستثمار الغضب الشيعي المُصدر إيرانيا ، وجماعة اخرى ستطالب بعدم التصعيد لصعوبة إدارة الأزمة والجماعات الشيعية على نطاق واسع والدخول في مواجهة مباشرة مع الدول الخليجية والتحالفات العربية والدولية  التي شكلتها مؤخرا ، خاصة مع إستمرار طهران بالوقت نفسه في إدارة الملفات السياسية والامنية والمعارك القتالية في العراق وسوريا واليمن .
خطاب الأزمة لحزب الله :
يعتبر مشروع حزب الله رأس الحربة لإيران بالمنطقة العربية ، ولا يصح عمليا تسميته باللبناني ،نظرا لانتشاره  ونشاطاته العسكرية والامنية وخطاباته السياسية تتخطى الجغرافية اللبنانية ، مُتناغم كليةً مع الخطاب الايراني في ملفاته العربية المعقدة ، وذراعا تنفيذيا لمخططاته السرية والعلنية.
تميز خطاب حزب الله  بالحدية المتوقعة من موقعه كذراع تنفيذي لسياسات طهران التوسعية بالمنطقة العربية ، فقد طالب أركان الحزب علناً بأسقاط النظام الحاكم في السعودية ، حيث قال الأمين العام للحزب حسن نصر الله خلال كلمة له : ان إعدام النمر سيكتب نهاية النظام السعودي ، محرضاً على الوقوف بوجه النظام السعودي الحاكم على اعتباره الطاغوت.
بينما قال نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم : وصلت السعودية إلى أقصى الضعف وهي تحفر قبر نظامها بيدها.
مع إستمرار التصعيد ضد السعودية سيتحرك الحزب تماشياً مع  مضمون الخطاب والموقف الايراني من الناحية العملية التنفيذية ، سواء عبر ضرب المصالح السعودية في لبنان أو المناطق العربية أو بمحاولة تأجيج العنف وتحريك الشارع الشيعي في الدول العربية .
متطلبات الرد العربي :
طهران لن تتمكن بالوقت الحاضر من تهدئة حدة خطابها أو سياساتها التصعيدية العدوانية ، حفظاً لماء الوجه وسمعة إيران في العالم الاسلامي الشيعي ، خاصة بعد أحداث إستهداف السفارة والقنصلية السعودية بإيران  في مشهد أعاد للاذهان الهجوم على السفارة الامريكية بطهران عقب الثورة الخمينية فيها ، أما الهجوم على المصالح السعودية في ايران  أعقبه طرد الرياض للدبلوماسيين الايرانيين وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، الأمر الذي أعتبره مساعد وزير الخارجية الايرانية للشؤون العربية والافريقية حسين امير عبد اللهيان بـ"الخطأ" الاستراتيجي من جانب الرياض ، وأشار  في تصريحاته الى ان هبوط قيمة النفط عالمياً بسبب السياسة النفطية السعودية ، متهماً الرياض بلعب دوراً تخريبياً في المفاوضات النووية الايرانية.
ما يتطلبه الرد العربي يستوجب عدم ترك السعودية تتصدر المشهد منفردة عن أشقائها العرب ، لأن إنفراد السعودية في هذا الظرف الحرج سيرفع من فرص السياسة الإيرانية في تسويق مفهوم ان الاعتداء جاء من قبل السعودية على الشيعة  وهم " رعايا " إيران!، كما أن إنفراد السعودية في إدارة الأزمة سيجر الدول العربية نحو مزيد من التوترات الطائفية الداخلية تستثمرها طهران في اللعب على الوتر الطائفي وخطابه التحريضي ، لذا فأن الإطار العام لمتطلبات الرد العربي على الشكل التالي:
·   إعتماد السياسة العربية على الخطاب القومي العربي في إدارة الأزمة ومخاطبة الشارع العربي خاصة في دول الخليج العربي واليمن والعراق ولبنان وفلسطين ، والتأكيد على وحدة الموقف السياسي والاخلاقي العربي ، وأن خطوة تشكيل تحالفا عربيا مقره الرياض انما جاء من منطلق الحرص والدفاع عن الجسد العربي الواحد . إنصهار مواقف القيادات العربية في بودقة عمل عربي مشترك لمواجهة تحديات الامة العظيمة ضد المشاريع الاستعمارية والأطماع الأجنبية أي كان جنسها أو هويتها.
·   إعادة إنتاج القضايا العربية المُتنازع عليها مع إيران ، وإطلاق موقفا عربيا موحدا وحازم، واضح الأهداف والرؤية ضمن الإطار العربي المشترك تجاه ملفات ( العراق ، اليمن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ، الأحواز ،البحرين ، الجزر الاماراتية العربية الثلاث ) .
·   التأكيد على ضرورة تبني قضية عرب الأحواز ودعم مساعيهم للحصول على الاستقلال عن الدولة الفارسية ودعم الكفاح العربي الاحوازي بكافة السبل والأشكال وتبني القضية العربية على الصعيد الدولي .كذلك  ضرورة فتح ملف الجزر العربية الثلاث ورفعها للتحكيم الدولي وإستخدام كافة الوسائل الدبلوماسية والسياسية العربية للضغط.
·   إتباع سياسة " التعامل بالمثل " مع إيران عربياً ، عبر صياغة سياسة عربية منفتحه على القوميات والأعراق غير الفارسية المضطهدة المتواجدة ضمن الجغرافية الايرانية ، وتقديم الدعم لقضاياهم العادلة ، خاصة القضية الكردية يفترض على المجموعة العربية ان تقدم كل سبل وأشكال الدعم لها .
·   تحرك الدبلوماسية العربية والمنظومة الخليجية نحو إستخدام الملف الاقتصادي والنفطي مع الدول والأطراف المشترية للنفط الايراني بهدف عقد تفاهمات معها من شأنها التأثير مع العقوبات المفروضة دولياً على طهران في الملف الاقتصادي الايراني.


عدم القدرة على إدارة الأزمة عربياً بالشكل المناسب أو إنفراد السعودية بها أو عدم تمكن جميع القيادات العربية من الإتفاق على قرار المواجهة مع إيران ستكون له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها على العرب ومستقبل المنطقة ، بالتالي ستدخل المنطقة العربية في حالة فوضى عارمة أكثر مما هي فيه الآن، لذا يتطلب الظرف الراهن إتخاذ مواقف تأريخية جريئة ، فالتهديد أصبح وجودي بالنسبة للعرب ومستقبلهم على قضايا الهوية والسيادة والحرية والأمن.


السبت، 2 يناير، 2016

الهوية والسلوك السياسي والوظيفي بين بغداد وكردستان

محمد الياسين

نظرة سريعة للخارطة السياسية والبنيوية العراقية كافية لبناء رؤية عن مستقبل المناطق للبلاد والمجتمعات المتنوعة "عرقيا وطائفيا" الموزعة على ثلاث مناطق جغرافية رئيسية ، ( الشمال ، الوسط ، الجنوب ). إذ لا مجال للمقارنة بعد 13 عاماً بين الفرص للمنطقة الشمالية الكردية وبين المناطق الاخرى للبلاد .
الملاحظ من خلال رصد المستويان السياسي والوظيفي لكلا من حكومة إقليم كردستان وحكومة بغداد ، تزايد فرص الأكراد في تحقيق الأهداف القومية الكردية المتعلقة بتقرير المصير ، مقابل تراجع فرص الجانب العراقي فيما يتعلق ببناء مؤسسات للدولة والمحافظة على سيادة البلاد وتقديم الحد الأدنى من الحقوق للمواطنين .
تعتبر "هوية" الدولة من أبرز العناصر لقيام الدول وتدعيم أساساتها وتثبيت حضورها السياسي والدبلوماسي على المستويات الدولية والإقليمية، وقد نجحت القوى السياسية الكردية بمختلف توجهاتها الأيدلوجية في بناء الهوية القومية للشعب الكردي، وتثبيت الشعور بالانتماء للأمة الكردية في نفوس الأكراد بشكل لافت ، كذلك تمكنت القوى السياسية الكردية بما فيها الإسلامية والأصولية بالتمسك بالهوية الكردية رغم الخلافات الكبيرة بين تلك القوى الفاعلة ، لكنها أجمعت على تبني الهوية القومية والمناداة بالحق القومي للشعب الكردي.   
  السقف الأعلى للحق الكردي:
إجماع القوى الكردية بمختلف توجهاتها الإيدلوجية على صياغة هدف جوهري مصيري للشعب الكردي ،أي مصلحة قومية عليا تتساقط عندها جميع المصالح الثانوية وتتعطل الخلافات السياسية بين الفرق الكردية المتنافسة عند المساس بتلك المصلحة المقدسة من وجهة النظر الكردية ، ساهم قطعاً بخلق حالة من الشعور بالمسؤولية وبناء ( السقف الأعلى للحق الكردي ) المتمثل بحق تقرير المصير ، أي إنشاء دولة كردية قومية بنهاية المطاف. ذلك الخطاب المسؤول ساهم عملياً في تقديم المستوى السياسي الكردي للمجتمع المحلي والأجنبي كوحدة سياسية ناضجة متماسكة ومتناغمة بالاداء السياسي والدبلوماسي مع المصلحة العليا للشعب الكردي . إعادة إنتاج النموذج الكردي للغرب كحليف مناسب للحرب ضد الإرهاب وشريكاً محتملاً لحماية المصالح الغربية في المنطقة ، صورة وردية سوقت للعالم عن الأكراد وكانت فرصتها الحرب على داعش دون أدنى شك  ،إذ أن المجتمع الدولي فضل التعامل مع الجانب الكردي كشريك موثوق به في هذه الحرب بدلا من الجانب العراقي الذي لدى واشنطن العديد من الملاحظات على سياسة بغداد لعدم إشراكها للعشائر العربية السُنية في شكل واسع بالحرب على داعش ، كما أن المتطوعين الأجانب للقتال ضد داعش توجهوا نحو الجبهة الكردية للإنضمام مع المقاتلين ، خاصة في معارك منطقة عين العرب "كوباني" بينما لم يتوجهوا لمعسكرات بغداد ودمشق! . فمن المرجح أن نشهد  خلال المستقبل القريب فتح ملف القضية الكردية ومناقشة تفاصيلها التأريخية والسياسية والإنسانية على المستوى الدولي الرسمي والشعبي .
أما على المستوى الوظيفي الرسمي في مناطق كردستان  فهو يسير وفق نمطية عمل دولة ، ينتهج القواعد الوظيفية والأسلوب الوظيفي المتبع عالمياً ، دون وجود مشاكل كما في حكومة بغداد ، فتوزيع المهام والمسؤوليات بين السلطات الرسمية في الإقليم من الأمور الغائبة في مؤسسات بغداد ( البرلمان ، الحكومة ) تضارب المصالح بين القوى السياسية في بغداد ، وفرض الأحزاب السياسية لأجنداتها على ممثليها في الوزارة عرقل أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية ، فالوزير في حكومة بغداد وزيراً لحزبه وكتلته البرلمانية التي رشحته للمنصب ، بينما الوزير في حكومة كردستان وزيراً للإقليم! ، ناهيك عن أن تضارب مواقف المسؤولين الحكوميين في بغداد حول القضية الواحدة  بحسب انتماءاتهم السياسية  آثر سلباً على حياة المواطنين.

أزمة هوية وفقدان بوصلة :
على النقيض تماماً من الجانب الكردي الناضج فكريا وسياسياً ، لا تزال القوى السياسية والاجتماعية العراقية في وسط وجنوب البلاد مترنحة إذ وقعت فريسة للتأثيرات الخارجية ، فهي أدوات تحركها جماعات دولية وإقليمية لمصالحها حتى وأن إبتعدت عن المصلحة العراقية أو كانت على حسابها . أبرز أزمات تلك القوى السياسية هي " الهوية " ، إضطراب الخطاب السياسي والإعلامي المُسوق لهوية الجماعات السياسية الكبيرة " جماعة الحكم " أسس لظاهرة إجتماعية مضطربة و معقدة ، خلال فترات الانتخابات البرلمانية يتم التسويق لخطاب عنوانه "الوطن" ومضمونه "الطائفة" ، تلك الإزدواجية لم تأتي من فراغ ، إذ يعاني من إضطراباتها قادة الحكم أنفسهم ، تارة يتحدثون بلغة مملوءه بالوطنية وتارة يتحدثون بلغة تغلي طائفية . لربما تكون الكتل السياسية الحاملة لأسماء "وطنية" والمدعومة من المراجع الدينية خير دليل على مدى الإزدواجية السياسية – النفسية لدى جماعة الحكم ، خاصة إذا أدركنا أن رجل الدين في بلد مثل العراق لا يمكن أن لا يكون طائفياً!.
لذا فأن أزمة الهوية لدى القوى السياسية العراقية بإستثناء " القوى السياسية الكردية " أزمة حقيقية أدخلتنا بمزيد من الأزمات ، رغم أن الملاحظ عليها سلوكياً هو تغليب الهوية الطائفية السياسية على الهوية الوطنية أو القومية العربية.
الإزدواجية السياسية لم تنتهي عند " الهوية " وإنما ظهرت مراراً في العديد من المواقف السياسية  ،  نأتي على ذكر بعضها :
·   إعتبرت القوى السياسية الحاكمة إحتلال العراق " تحريراً" و تأريخه عيداً وطنياً للبلاد ، ثم عادت وإعتبرته إحتلالاً ،وظل قادة الحكم تارة يسمونه إحتلالا وتارة اخرى تحريراً ، بينما الأميركيون أسموه إحتلالاً!!.

·   خلال الحرب على داعش تستخدم القوات الحكومية " الجيش " والقوات غير الحكومية "الحشد الشعبي" المحسوب على القوى السياسية الحاكمة ، أسلحة أمريكية الصنع ويتلقون مساعدات لوجستية ويستعينون بالطائرات الامريكية لضرب معاقل داعش وفي الوقت نفسه يتهمون أمريكا بدعم التنظيم الارهابي "داعش"!.

·   أعتبر المستوى السياسي والاعلامي للقوى الحاكمة  التوغل التركي داخل الاراضي العراقية "إحتلال" بينما يتجاهلون التوغل الإيراني الممتد طوال السنوات الماضية والذي تخطى الدور التركي إضعافا مضاعفة ، ويتجاهلون إقتحام الحدود العراقية من قبل مئات الالاف الايرانيين بحجة " الزيارة " الدينية للعتبات المقدسة ، في أكبر فضيحة يشهدها تأريخ العراق الحديث.

·   أعتبر الخطاب الرسمي والشبه الرسمي العراقي النظام السوري عدواً داعماً ومصدراً للإرهاب إلى العراق طوال السنوات الماضية قبل بداية الحرب في سوريا ، وكانت القوى السياسية العراقية تتهم نظام بشار الأسد بإحتضانه للبعثيين والقاعدة للقيام بهجمات داخل العراق ، تبدلت الصورة تماماً بعد الحرب في سوريا وتشكل تحالفاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً بين النظامين العراقي والسوري.


غياب الهوية أو تغليب الهوية الطائفية أدى لتأسيس سلطة فاسدة وخلق بيئة سياسية فاسدة أجهضت بدورها قيم المواطنة والإنتماء للوطن فأدخلت العقيدة والانتماء الطائفي والمناطقي على الدوائر الامنية والعسكرية والمدنية والتعليمية والقضاء فأنتجت مجتمعا مضطربا تائها ، تلك الحالة المأساوية عدمت روح المواطنة والانتماء للوطن العراق وكذلك إنتماء عرب العراق لهويتهم القومية ، بمعنى آخر أن التركيبة السياسية والسلوكية الجديدة أفقدت العراق بوصلته الوطنية والقومية.